الرئيسية | في رحاب الشريعة | رسالة الشاهد إلى الأمة في عيدها، لضبط مسيرتها/ محمد مكركب

رسالة الشاهد إلى الأمة في عيدها، لضبط مسيرتها/ محمد مكركب

أيها المسلمون هذه رسالة بيان الموعظة السنوية العالمية، إلى الأمة الإسلامية والأمة الإنسانية،  ولجزائر الشهداء والعلماء والتاريخ. رسالة الراية في ميدان المعارك، في عيد الفطر المبارك. لعـام 1438 هجرية. الموافق لـ: 25 جوان 2017م، رسالة الشاهد الحاضر، من على منبر “البصـائر”، إلى عقلاء الأمة الأبرار، إلى أصحاب الكلمة والقرار. ندعوهم إلى مراجعة أطروحات التفكير، وآليات التدبير والتسيير، فهناك عطب كبير، وخلل خطير في التخطيط والتقدير. فالبوصلة الاجتماعية، والاقتصادية، والتربوية، والسياسية، نحو المستقبل قد حادت عن وجهتها. ومن ثم وجب التأكد، من صحة الاتجاه، بخصوص الخارطة العامة، والمناهج الأساسية الهامة. إلى التأكد من نجاعة الطريقة، ونناسب الوسائل، وكفاية الأدوات. حيث يظهر أن الاجتهاد في كل هذه الميادين جنح إلى غير الغاية، وكاد يبتعد الموكب عن الراية.

فمن واجبنا في فريضة البيان وقت الحاجة والتبيان، أننا في كل عيد نخصص رسالة خطبة العيد، لنداء شامل نُظَمِّنُه دعوة الأمة إلى تصحيح مسيرتها الدعوية، ومراجعة خارطتها العمرانية، والتأكد من الوجهة السليمة نحو مقاصدها، عبر معالمها الإيمانية، وبوصلتها القرآنية.

إن تدهور العلاقات بين الشعوب مؤشر إنذار، يستحق الوقوف عند منعرجاته، بكل جدية واهتمام. في الخليج والشام والمغرب والساحل الإفريقي، واستمرار الحروب الأهلية الطائفية في بعض الأقطار، وثورات العنف والحرابة والإعصار، واستبداد الغطرسة السياسة والاستكبار، كل ذلك يقتضي منا المراجعة والتقويم.

كما أن السياسات التقليدية “الترقيعية” الْمُكَرِّسة للتخلف والانحطاط، مازالت هي السائدة، رغم الفتن المحلية والوافدة، والهزائم المتوالدة، والوقائع الشاهدة، ومازلنا بعيدين كل البعد عن تحقيق الاكتفاء الذاتي، الذي أمرنا الله به، في قوله جل جلاله:﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ[الأنفال: 60].

لنقول:{أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ}[التوبة: 126] .

فقد دأبت السياسات العربية على الترقيع ثم التمييع، ثم التضييع، وحالهم كما قال الشاعر:

نرقع دنيانا بتمزيق ديننا          فلا ديننا يبقى ولا ما نرقع

وأبادر بالقول في بداية هذا المقال، لأقول: بأننا ما نسينا خلق التفاؤل وما هجرناه، ولا ابتعدنا عن توجيه النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث، ولا أهملناه. ونعني [إِذَا قَالَ الرَّجُلُ: هَلَكَ النَّاسُ فَهُوَ أَهْلَكُهُمْ] ولكن هناك فرص تضيع وتُفَوِّتُ على الأمة الفوز بالتحكم والتمكين، ومعلوم أن تفويت الفرص المصيرية على الأمة، جريمة الجرائم، وظلمة المظالم.

إلى متى والشعوب العربية تدفع الثمن غاليا، عن أخطاء السياسة السطحية، والفوضى المتعمدة والتبذير، في الوقت والمشاريع والإنفاق وسوء التسيير؟

فقد دعونا إلى مؤسسة “المفتي العام للجزائر”، فما كانت الاستجابة منذ عقود، ونكرر النداء في هذا العيد لعل الأمل يعود، ودعونا إلى تصحيح مناهج التربية، وطرائق التعليم والتقويم والإعداد، ولا تزال المنظومة التربوية في واد، ومقاصد الأمة في واد. ودعونا إلى عدم تبذير وإتلاف الأراضي الفلاحية، ومازال التوسع الفوضوي للمدن غير المدروسة، على حساب التنمية المستدامة بلا مبالاة، وكأنك ترى الانتحار الاقتصادي، يتمرغ على الأراضي الزراعية، يلفظ أنفاسه، في حشرجة مخنوقة. ودعونا إلى السياسة الحكيمة في إحداث التوازن الجهوي العمراني، ولكن الملأ مازالوا يعتمدون المشاريع الترقيعية، والحلول الاستهلاكية، الآنية دون مراعاة مستقبل الأجيال، وكأن تاريخ الاختناق والانزلاق في أواخر العصر الأندلسي يعيد نفسه، وكأن الرداءة فيروس استعصى على السياسة العربية أن تتخلص منه، خاصة الفيروسات التي تتغذى بما وراء البحر، فهي مدربة على التطفل ولو خارج بيئتها.

فهل سبب البطالة (على سبيل المثال) عجز في الإمكانات، أو لعلة تفوق الكثافة السكانية على المساحات؟

وهل سبب أزمة السكن في نقص الأراضي والمال، ومواد البناء والعمال؟ وهل السؤال عن كل تخلف هو الفقر المادي؟

إن العجز الحقيقي ليس في الإمكانات، وإنما في النيات والعقليات، وفي أمراض الإهمال والتسيب واللامبالاة. يقول الله تعالى:﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ[الأحقاف: 26]، وقال تعالى:﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذاً لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفاقِ وَكانَ الْإِنْسانُ قَتُوراً[الإسراء: 100]. هناك أنظمة سياسية لو أعطاهم الله التصرف في خزائنه ما خرجوا من الأزمات، وما خَلَّصُوا شعوبهم من التبعية لغيرهم، لذلك دعونا إلى مراجعة أطروحات التفكير، وآليات التدبير والتسيير، وقلنا: هناك عطب كبير، وخلل خطير، في التخطيط والتقدير.

أولا: نعيد الدعوة إلى إقامة المؤسسات الأساسية لثبات قوة الدولة وتقدمها، هذه المؤسسات الغائبة حاليا في الجزائر، الجزائر التي من المنطق العلمي والتاريخي والجغرافي، أن تكون الرقم الأساس في حضارة الناس. ومن المؤسسات الواجبة، لضبط المسيرة نحو الهدف:

1ـ وكما ذكرت آنفا مؤسسة الإفتاء، وعلى رأسها المفتي العام، وهو أمر ميسور، وفي متناول اليد؛ لأن المفتي العام مؤسسة وليس شخصية، ويكفيه الأمانة والإخلاص، والقابلية للشورى العلمية. ويحل مشاكل كثيرة في الفكر والفقه والاجتماع والشورى السياسية.

إن غياب “مؤسسة المفتي العام”، تركت الأمة في حيرة وقلق من أمرها، ومنه ما كان وما زال يثار حول المواقيت، ومنها مواقيت الصلاة. كما ذكرنا ذلك في الفتوى )رقم:185( المنشورة في صحيفة “البصـآئر”. وكان الموضوع: وقوت الصلوات، واليومية الرسمية لوزارة الشؤون الدينية.

2 ـ المؤسسة الدعوية الأكاديمية للإمامة والإرشاد الديني. المكلفة بمراقبة الأهلة، وإعداد الأئمة والندوات والملتقيات الفكرية، هذه المؤسسة المفترض أن تنبثق من جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، ووزارة الشؤون الدينية، والمجلس الإسلامي الأعلى.

3 ـ مؤسسة العمران للاقتصاد، والاستثمار: مكلفة بتسيير صندوق الزكاة، وتنفيذ الخارطة الاقتصادية، والإشراف على الميزانية المالية للدولة.

إن قلة العناية بهذه المؤسسة، ومن ثم قلة الاهتمام بصندوق الزكاة، وضعف تسييره، شارك في تأخر القضاء على البطالة، كما كان سببا في تفويت الفرصة على المؤسسات الاستثمارية.

4 ـ ترشيد المؤسسة الاستشارية، المتمثلة في المجلسين: (المجلس الشعبي الوطني، ومجلس الأمة) لتحديد الوظيفة الأساسية لها.

ثانيا: القضاء على البطالة وتحريك عجلة الاقتصاد، بما تستحقه من تكامل المجالات الحيوية، بإقامة البنى التحتية، والصناعة القاعدية، لصناعة وسائل الإنتاج. هذا الذي يفتح أبواب العمل المنتج النافع، ويقوي الاقتصاد.

هل يعلم من بيدهم القرار – إذا كانوا يريدون أن يسمعوا ويتقدموا- أن السياسة الاقتصادية التي قام بها يوسف عليه السلام، لم تكن مجرد إتقان عملية الحصاد، وتخزين الحبوب لوقت الضرورة؟ يعني لم يكن نجاحه فقط بسبب ما جاء في قوله تعالى:﴿قالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً فَما حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلاَّ قَلِيلاً مِمَّا تَأْكُلُونَ * ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ سَبْعٌ شِدادٌ يَأْكُلْنَ ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاَّ قَلِيلاً مِمَّا تُحْصِنُونَ}[يوسف: 47/48] نعم هذا سبب، ولكن يوسف عليه السلام، سلمت له مفاتيح الخزينة العمومية، وسائر الموارد، وميادين الاستثمار، في كل الوطن. ﴿قالَ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ[يوسف: 55]. قال حمد مصطفى المراغي في تفسير هذه الآيات: {الخزائن واحدها خزانة، وهي ما تخزن فيه غلات الأرض ونحوها. أي قال ولّني خزائن أرضك كلها، واجعلني مشرفا عليها، لأنقذ البلاد، من مجاعة مقبلة عليها، تهلك الحرث والنسل. ثم ذكر سبب طلبه فقال:﴿إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ أي: إني شديد الحفظ، لما يخزن فيها، فلا يضيع منه شيء، أو يوضع في غير موضعه، عليم بوجوه تصريفه وحسن الانتفاع به. وقد طلب إدارة الأمور المالية، لأن سياسة الملك، وتنمية العمران، وإقامة العدل فيه، تتوقف عليها، وقد كان مضطرا إلى تزكية نفسه، في ذلك، حتى يثق به الملك، ويركن إليه في تولية هذه المهام. ثم قال المفسر: “وما أضاع كثيرا من الممالك الشرقية في القرون الأخيرة إلا الجهل والتقصير في النظام المالي، وتدبير الثروة، وحفظها، في الدولة والأمة”.

قلت: ولا يزال نفس التقصير وأكثر في النظام المالي، والنظام التربوي.

ونحن نذكر بهذا لأن لا يظل الملأ من أصحاب القرار في غفوتهم يعيدون رتابة القديم، ولا يسلمون قيادة العمران لحفيظ عليم، ولأن لا يقول الناس لو ذَكَّرتم بما يجب به التذكير، لأن يستيقظ السياسيون، وليجتنبوا ذلك التقصير. وقد بدأ التقصير والانحراف الخطير، عن نهج المعالم الإيمانية، والميل عن وجهة البوصلة القرآنية، عندما سُلِّمت المناصب الحساسة لغير أهلها، في التربية، والاقتصاد، بل وفي كثير من المناصب، التي كانت من أجل المكاسب..!

إلى عقلاء الأمة الأبرار، وإلى أصحاب الكلمة والقرار: “ندعوكم إلى مراجعة أطروحات التفكير، وآليات التدبير والتسيير، فهناك عطب كبير، وخلل خطير في التخطيط والتقدير”.

 

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

فـــــك قيــــود الأزمات والتخلص من عثرات الانهزامات

الشيخ محمد مكركب أبران Oulamas.fetwa@gmail.com/ الأزمة تعني الشدة والضيق والفاقة، وبمفهوم الاقتصاد فالأزمة هي القحط …