الرئيسية | كلمة حق | لقاء حول الإسلام والقانون الدولي الإنساني/ عمار طالبي

لقاء حول الإسلام والقانون الدولي الإنساني/ عمار طالبي

عقد لقاء نظمته اللجنة الدولية للصليب الأحمر بالجزائر، وبالاشتراك مع جمعية العلماء المسلمين الجزائريين يوم الأربعاء: 7 شوال 1439هـ، الموافق لـ: 20 جوان 2018م، بفندق “نيو داي” (اليوم الجديد) بالعاصمة، حضره السيد خضر الطري نائب رئيس بعثة اللجنة الدولية للصليب الأحمر بالجزائر، ورئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين.

رحب السيد خضر الطري – وهو لبناني من طرابلس الشام، من أسرة عريقة (أسرة الرفاعي) المشهورة – بالحاضرين، وعبر عن ابتهاجه بهذا اللقاء عن الإسلام والقانون الدولي الإسلامي، وهو موضوع له أهمية منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر الميلادي.

وبين أن كلمة الصليب الواردة في عنوان هذه اللجنة الدولية لا يقصد منها رمز المسيحية، وإنما هو علم دولة سويسرا، وكذلك الهلال الأحمر هو علم الدولة العثمانية، وكلاهما لا صلة له بالتبشير بالمسيحية، ولا بالإسلام، وهذا توضيح مهم يستبعد كثيرا من الأوهام التي يمكن أن يوحي بها هذا العنوان.

وذلك لأن جنيف هي العاصمة التي ارتبط بها اتفاق نشأة هذه المؤسسة، وما لحق هذه النشأة من البروتوكولات الملحقة بها، وتعود نشأتها إلى عام 1863م بعد معركة: “SOLFORINO”.

وألقى رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين كلمة افتتاحية رحب فيها بالتعاون بين الجمعية واللجنة الدولية في المجال الإنساني، وإغاثة المدنيين الذين يتعرضون لأضرار الحروب.

وألقت السيدة سهى لخضاري المكلفة بالتعاون، محاضرة عرفت فيها باللجنة الدولية للصليب الأحمر، والحركة الدولية للصليب الأحمـر والهلال الأحمـر.

ووقعت مناقشات وأسئلة تتعلق بهذه المنظمة الدولية وأهدافها ووسائل عملها في تحقيق معاناة الجرحى، وتلبية الحاجات الإنسانية من الأدوية والأغذية، وزيارة السجناء والمعتقلين، وعقد الصلات بينهم وبين أسرهم عن طريق الرسائل والاتصالات الأخرى، حسب الإمكان. وهي كما تعمل في الحروب الدولية تحاول أيضا أن تخفف معاناة العنف الذي ينشر أحيانا داخل الدولة الواحدة إذا سمحت بذلك تلك الدولة.

وعرف كاتب هذا التقرير بجمعية العلماء المسلمين الجزائريين وأهدافها ووسائل عملها العلمي التربوي في الدفاع عن الإسلام واللغة العربية، والوطن والتاريخ والثقافة من مقومات الشعب الجزائري ووجوده، وأنها بادرت بتكوين لجنة وطنية لإغاثة إخواننا في فلسطين سنة 1948م وقبل ذلك، وجمعت التبرعات في عهد الشيخ عبد الحميد ابن باديس، ثم في عهد الشيخ محمد البشير الإبراهيمي رحمهما الله، وواصلت الجمعية عمل أسلافها فكونت لجنة الإغاثة سنة 2010م، وتوجهت إلى غزة عدة مرات بتبرعات الشعب الجزائري، وأرسلت بعثة طبية برئاسة الأستاذ سليم ين خدة، وقامت بعدة عمليات في غزة، وكانت اللجنة قد دشنت مستشفى الجزائر بـ “خان يونس” جنوب غزة، سنة 2010م.

ومن المعلوم أن العناية بضحايا الحروب بدأت منذ القديم، من عهد حمورابي، ثم في الحضارة الفرعونية، ونص قانون حمورابي في بدايته “إني أقرر هذه القوانين كيما أحول دون ظلم القوي بالضعيف، وقررت الحضارة المصرية في الأعمال السبعة للرحمة”.

1- إطعام الجياع، 2- إرواء العطشان، 3- كساء العراة، 4- إيواء الغرباء، 5- تحرير الأسرى، 6- العناية بالمرضى، 7- دفن الموتى.

وكذلك التعاليم الهندية القديمة في قانون “مانو” الذي حرم قتل العدو إذا استسلم أو وقع في الأسر، والمجرد من السلاح وغير المقاتل أو النائم.

وجاء الإسلام فوضع أسسا كلية واضحة للقانون الدولي الإنساني في القرآن وفي السنة، وعمل الصحابة والفقهاء الذين أصلوا لذلك في مؤلفات السير المعروفة.

نادى القرآن بالسلم، قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ} [البقرة: 208]، وقال تعالى: {وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}[الأنفال: 61]، وقال تعالى: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً* إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلَا شُكُوراً} [الإنسان: 8/9]. وأوصى الرسول صلى الله عليه وسلم قائد الجيش: “ولا تقتلوا شيخا كبيرا ولا طفلا صغيرا، ولا امرأة، ولا تغلوا (لا تخونوا)، وأصلحوا وأحسنوا إن الله يحب المحسنين”، وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: “ولا تقطعوا نخلا ولا تحرقوه، ولا تقطعوا شجرة مثمرة، ولا تذبحوا شاة ولا بقرة ولا بعيرا إلا لمأكلة، وسوف تمرون على قوم فرغوا أنفسهم في الصوامع فدعوهم وما فرغوا أنفسهم له”، ويوصي أيضا: “ولا تقاتلوا مجروحا”، ولم يأذن الله تعالى للمسلمين بالقتال حتى تعرضوا للظلم وإخراجهم من ديارهم وقتلهم فقال:{أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ* الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ}[الحج: 39/40]، ثم جاء الإمام الأوزاعي البيروتي، ومحمد بن الحسن الشيباني، ووضعوا قواعد وأسسا للقتال والقانون الإنساني فيما يسمى بكتب السير، ولخص الإمام الشافعي ما كتبه الأوزاعي في كتابه الأم.

ثم جاءت الاتفاقيات الدولية في جنيف عام 1949م وما بعدها، ووضعت قواعد للنزاعات الدولية المسلحة، والدفاع عن كرامة الإنسان والمدنيين الذين لا يحملون السلاح، وضرورة التخفيف عن الجرحى والأرامل والأطفال بالغذاء والأدوية، والعناية الصحية الضرورية،

وإنشاء جمعيات الإغاثة التطوعية الوطنية في أنحاء العالم التي ضمنت لها هذه الاتفاقيات الحماية القانونية، وخاصة [المادة: 32] من اتفاقية جنيف الأولى، ونشأت معاهدة منع جريمة الإبادة الجماعية عام 1948م، ومعاهدة المحكمة الجنائية الدولية في روما 10 ديسمبر 1998م، ومع الأسف الشديد فإنه لا تجد هذه القوانين في أحيان كثيرة آليات التطبيق، وتعترض دول كبرى في مجلس الأمن عليها وتبطلها، فيقع الظلم الفادح.

ومن ذلك فإن النزاعات المسلحة للشعوب والحركات التحريرية من الاستعمار، وحروب التحرير تقرر أنها شرعية للتخلص من الاستعمار والتسلط العنصري، ولكن اليوم تأتي دول عظمى وتصفها بالإرهاب كما نرى في المظالم التي تقع في فلسطين، ومقاومة الفلسطينيين لهـا وللاحتلال، تصفها أمريكا بأنها إرهاب..! فهذا قلب للحقائق، وانقلاب على القانون الدولي الإنساني، وظلم “الظالم” فاضح ممن يزعم أنه يحمل الديمقراطية وقيم السلام والأمن.

وختم السيد خضر الطري محاضرته عن القانون الدولي الإنساني، وبين أن محوره الإنساني هو الدفاع عن كرامة الإنسان والتخفيف من معاناة الجرحى وضحايا الحروب، ومدهم بالحاجات الضرورية من الطعام والشراب والدواء والعناية الإنسانية، وهذا ما يتفق وقيمة الإنسان التي كرمها الله تعالى باعتبار الإنسان إنسانا، بقطع النظر عن جنسه ودينه وثقافته.

وما أجدرنا اليوم أن نعنى العناية الكافية بهذه القيمة النفيسة للإنسان، وأن نمنع عنه الظلم والإهانة والمعاناة، لينعم بحريته، ويتمتع بإنسانيته، فإنه إذا فقد الإنسان دينه وخلقه فقد مسخت إنسانيته، وطفت حيوانيته.

عن المحرر

شاهد أيضاً

ما حجة بعض الناس الذين يحذّرون من اللقاح ويفتون بتحريمه؟

أ د. عمار طالبي/ نسمع من حين لآخر التخوف من اللقاح، وبعض الناس يزعمون أنه …