الرئيسية | اتجاهات | صفقة القرن “كوشنير” في زيارة إلى المنطقة/ محمد الحسن أكيلال

صفقة القرن “كوشنير” في زيارة إلى المنطقة/ محمد الحسن أكيلال

المفاوضات الحقيقية التي يجب أن تكون أوقفتها حكومة  “نتانياهو”  مع المفاوض الحقيقي المتمثل في السلطة الفلسطينية منذ أكثر من خمس سنوات، وهذا بعد أن تأكد “نتانياهو”  أن لا جدوى من التفاوض معها بعد فقدانها لكل أسباب ومقومات قوة الموقع؛ آخر هذه الأسباب والمقومات شبه استحالة المصالحة بين السلطة وحماس، بين الضفة وقطاع غزة، بين المؤمنين بـــ “أوسلو”  والرافضين له، يعني بين الذين قبلوا وضع السلاح والمتمسكين به، بين خيار الحل الاستسلامي كما تريده إسرائيل وخيار المقاومة والكفاح المسلح، بين محوري الاعتدال والمقاومة.

“كوشنير”، صهر الرئيس الأمريكي ومستشاره الخاص المكلف بملف القضية الفلسطينية في الإدارة الأمريكية باقتراح من “نتانياهو”  واللّوبي الصهيوني في أمريكا يقرر زيارة المنطقة للبدء في مفاوضات اللمسات الأخيرة حول صفقة القرن التي أعلن عنها صهره  “ترمب” بعد أن تأكد أن دول الطوق باستثناء سوريا المهددة بالزوال بإبقائها في وضعها الحالي وضع المهدد بالتقسيم، حيث تحتل القوات الأمريكية ثلث أراضيها في الشمال الشرقي، وفلول الإرهاب للمنطقة الحدودية في جنوبها الشرقي بدعم ومساندة الجيش والمخابرات الصهيونية ودعم مادي ومعنوي من دول الخليج العربي زيادة عن منطقة الجولان المحتلة منذ عام 1967 التي أعلنت حكومة  “نتانياهو” عن ضمها النهائي للأراضي المحتلة، هكذا تصبح جاهزية التفاوض مكتملة ولو ليس بالضرورة مع الطرف الحقيقي المعني بالقضية ما دام رافضا لهذا التفاوض رغم كونه لا يمتلك الشرعية التي فقدها منذ ما قبل التخلي عن تلك الشرعية المتمثلة في منظمة التحرير وأداتها الحقيقية والفعالة المتمثلة في السلاح وتمسكها بقبول التنسيق الأمني الذي يعني توظيف قوات أمنها لقمع الحراك الشعبي في الضفة الغربية بكل الوسائل الممكنة لحماية المستوطنين فيها والحفاظ على الأوضاع كما تريدها الدولة المحتلة فقط لتركها تعتاش بالأموال الآتية من طرف الدول المانحة والجباية الفلسطينية التي تجبيها الإدارة المحتلة متى شاءت.

“كوشنير”  هذه المرة لم يأت للتفاوض مع  “محمود عباس”  الذي رفض استقباله بعد إعلانه التاريخي بأن الولايات المتحدة لا يعترف بها وسيطا في المفاوضات بعد تأكده المتأخر جدًّا بانحيازها الكامل لصالح إسرائيل ولا حتى  “صائب عريقات”  المكلف بملف المفاوضات، فالموقف واحد ولو على سبيل التمظهر بمظهر المتشدد في الدفاع عن الحق والشرعية الذين سحبت الدول العربية أو بعضها البساط تحت أقدامها ؛  “كوشنير”  لا يستقبل من طرف “محمود عباس”  و لا  “صائب عريقات”، لقد جاء للقاء كل من الرئيس المصري  “عبد الفتاح السيسي” والملك السعودي  “سلمان بن عبد العزيز”  وابنه  “محمد”  والملك الأردني “عبد اللـه الثاني”  الذي يبدو أنه ما زال يتشدد في الإمساك بورقتي الوصاية على الأماكن المقدسة في فلسطين وحق شعبها في استرجاع حقوقه المغتصبة بالاحتلال منذ عام 1967، وهو في هذا مرغم أخوك لا بطل، لأن الشعب الأردني أصلا يتكون في أغلبيته المطلقة من 65 بالمائة من الشعب الفلسطيني والأرض التي أعطيت لجده  “عبد اللـه الأول”  هي جزء لا يتجزأ من أرض فلسطين التاريخية قبل الانتداب البريطاني ولأنه في النهاية مهدد ببند من بنود الصفقة التي ينتظر الإعلان عنها يتضمن بقاء اللاجئين الفلسطينيين منذ عام 1948 في أرض المملكة، بل وسيجبر الكثير من سكان الضفة الغربية للتهجير إليها في حالة الحل النهائي المرتقب.

بالنسبة للإدارة الأمريكية التي تستند في الحقيقة على الشرعية الدولية التي منحت أرض فلسطين وطنا قوميا ليهود العالم لا ينقصها حاليا إلاّ إعلان الدول العربية الرئيسية في قبول هذه الصفقة باعتبار السلطة الفلسطينية لم تكن موجودة أصلا في عام 1948 وأهم الدول العربية الرافضة لقرار الأمم المتحدة وإسرائيل أصبحت إما مهددة بالزوال والتقسيم أو بالإرهاب أو بالجوع والمسغبة كحال مصر والأردن.

إن السلطة الفلسطينية بالنسبة للإدارة الأمريكية لا تعني شيئا ما دامت قد أنشئت بموجب اتفاق  “أوسلو”  المنتهية صلاحيته بفعل رفضه من قبل دولة إسرائيل المنتصرة عسكريا على منظمة التحرير التي كانت تعتبرها الإدارة الأمريكية وكل حلفائها الغربيين منظمة إرهابية، أما الدول العربية الرافضة فلا داعي لذكرها بعد ما حدث للعراق وسوريا وليبيا واليمن، لأمريكا واجب واحد إزاء إسرائيل هو إزاحة الجمهورية الإسلامية الإيرانية بأية وسيلة كانت لإيقاف دعمها للمقاومة وإحياء محورها في المنطقة.

إن الإدارة الأمريكية منذ بداية التسعينيات التي  شهدت نجاحها في تفكيك الاتحاد السوفييتي وهز الأنظمة التي تدور في فلكه وإضعافها وجرها مرغمة إلى قيودها المالية والتجارية والاستخباراتية لوضع نهاية لنفوذها على المسرح الدولي مثلما حدث لمنظمة عدم الانحياز ومنظمة الوحدة الإفريقية اللتين كانتا تساندان الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، فهذه الإدارة وهي تشعر بدنو أجل انفرادها بحكم العالم كقطب وحيد أصبحت لا تتورع في استعمال قوة السلاح للدفاع عن هذه المكانة حتى ولو أدى ذلك إلى حرب عالمية ثالثة، ولم لا وهي تستند إلى منطق ثابت من ثوابتها الإيديولوجية المتمثل في : القوة فوق الحق، لقد أصبحت في عهد “ترامب”  لا يهمها الحليف والصديق فكيف بالخصم العدو.

ما ينقص الإدارة الأمريكية الحالية رغم كون رئيسها رجل مال وأعمال والمفترض أن يجيد الحساب والحسابات لكنه يبدو أنه أعمته أرقام مداخيله الخاصة في شركاته عن الحسابات الأخرى التي تتعلق بشؤون العالم بما في ذلك شؤون ومصالح بلاده التي بدأت فعلا تدخل دائرة الخطر من العزلة الدولية والانكفاء على نفسها داخل حدودها لأن العالم قد ضاق ذرعا بتصرفاتها واعتداءاتها الإجرامية على شعوب بعيدة عنها كل البعد من حيث جغرافيا أوطانها أو فلسفاتها وإيديولوجياتها وثقافاتها.

إنها ببساطة تنسى ما حدث لها في كل من الفيتنام وكل جنوب شرق آسيا وما يحدث لها حاليا في أفغانستان، بل وتنسى أن الشعب الأمريكي نفسه قد ضاق ذرعا بها وبشرورها وجرائمها وهو لا شك سيتخلص منها في أقرب وقت ممكن كما يتخلص من شرور اللّوبي الصهيوني الذي أصبح فعلا هو المهدد الحقيقي لمصالحها الحيوية في كل العالم.

إن الشعب الفلسطيني وهو يقف وحيدا في الميدان دون الاعتماد على العرب قادر على تحقيق النصر، لأن الاعتماد على العرب في الماضي كان ذريعة للصهاينة للبكاء للعالم باعتبارهم ضحايا قوة بشرية ورقعة جغرافية تشكل خطرا على وجودهم وهي أكذوبة سئم منها العالم والعالم الغربي خاصة لأنه اكتشف حقيقة هذا الكيان المحتال المبتز للكل بما في ذلك تلك الدول التي ساعدته على النشوء والارتقاء والوصول إلى تهديد السلم والأمن في العالم.

للشعب الفلسطيني فرصة لم تكن له في الماضي لاستعادة حقوقه وإزالة الكيان الصهيوني فوق أرضه وهذه الفرصة بدأت فعلا تتسع وما النصر إلاّ من عند الله.

“كوشنير”  يجب أن يفكر مليا عند أول استراحة له في الفندق، في أول فندق وفي أي  قطر كان ويتأمل ويفكر ويحاول أن يتجرد من صهيونيته المكتسبة ليرى أن ما يريده صديقه  “نتانياهو”  ليس شرعنة احتلاله لأراضي الفلسطينيين فقط، بل يتعدى ذلك إلى طموح مجنون في أن تتخلص دولته من كل الدول المجاورة ولتصبح الدولة الأعظم والأقوى والتي ستنقلب ذات يوم حتى على أمريكا نفسها بعد أن أصبحت تحتقر الدولتين الفرنسية والبريطانية اللتين كان بهما الفضل الأول في تكوينها وتنميتها وتقويتها حتى بالقنابل النووية التي يريد  “نتانياهو”  إرغام إيران على التخلي حتى على مجرد التفكير فيها، وحلمه هذا لا ولن يتحقق ولو بالطائرات الورقية التي يطلقها أطفال غزة..

عن المحرر

شاهد أيضاً

خواطر خجولة حول القدس وفلسطين

عبد العزيز كحيل/ قد ننسى أي قضية إلا قضية القدس وفلسطين لأنها ليست قضية سياسية …