الرئيسية | بالمختصر المفيد | نعمة الشباب..!/ كمال بوسنة

نعمة الشباب..!/ كمال بوسنة

النصوص القرآنية والنبوية كثيرا ما تمدح الشباب الواعي برسالته في الحياة، ولم تدفعه نزوات نفسية شبابية إلى الميل عن الحق أو السير في طريق الحرام، ولهذا استحق هذا النوع من الشباب مدح رب العزة حين قال: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُم بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى* وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَن نَّدْعُوَ مِن دُونِهِ إِلَهاً لَقَدْ قُلْنَا إِذاً شَطَطاً} [الكهف: 13/14]، ونالوا بجدارة المنزلة الرفيعة في سلم الارتقاء في الدرجة عند الله تعالى، فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:”سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله؛ إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجل قلبه معلق بالمساجد، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه ” [متفق عليه].

والحق أن هذا النوع من الشباب هيأه الواقع الصحي لا الواقع المريض ليكون واعيا بحقيقة وجوده في هذه الحياة الفانية، وعلم أن فترة الشباب، وإن كانت مرحلة الفتوة والقوة، فإن مرحلة الضعف والشيخوخة قادمة تترا بعد ذلك، فاغتنام فرصة الشبيبة في إرضاء الله عز وجل وبناء الحياة على منهاجه هو المطلب والمرغب قبل فوات الأوان..!

فالشبيبة نعمة من نعم الله على عبده، فإن سُخرت في غير مرضاته، تحولت هذه الفترة الثمينة إلى نقمة، إذ سيسأل المرء عن شبابه فيما أفناه، فما تكون إجابته إذا مرت حياته في لهو ولعب وضاعت في أتفه الأمور؟

فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم لرجل وهو يعظه: “اغتنم خمسا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك” رواه الحاكم في المستدرك.

أحزنني أن كثيرا من شباب الجزائر يعيش حياة بعيدة كل البعد عن الهدف الأسمى الذي خلقه الله من أجله، فهل يعقل أن يحيا جزء كبير منهم في سبيل “كرة القدم” التي أصبحت معبودهم الذي يخاصمون من أجله الرفيق والصديق، ويحبونه كحب الله..!

وإذا تأملنا – كما يقول الدكتور سعيد رمضان البوطي رحمه الله تعالى في فقه السيرة – فيمن كان حول النبي – صلى الله عليه وسلم – إبان دعوته وجهاده، وجدت أغلبيتهم العظمى كانوا شبانا لم يتجاوزوا المرحلة الأولى من عمر شبابهم، ولم يألوا جهدا في تجنيد طاقاتهم وقوتهم من أجل نصرة الإسلام وإقامة مجتمعه…وبأولئك الشباب المؤمن الواعي وضعت أولى اللبنات في بناء أعظم حضارة أخرجت للناس، وبجهودهم المخلصة المبذولة انتشر الحق الذي أزهق باطلا عشش وفرخ وساد، وعمّ الإسلام أقطار الأرض…إنهم عرفوا أنهم لم يُخلقوا إلا لعظائم الأمور، ولم يخلقوا لسفاسفها، أو لشهوة دنيئة تُقضى، أو نزوة عابرة تبلى..!

لقد أدركوا أنهم خُلقوا لغاية عُظمى تليق بإنسانيتهم المكرمة، ولهذا استطاعوا أن يصبحوا نماذج بشرية يُضرب بها المثل، وبأمثالها تتشرف الأمم..!

لقد عرف خصوم الإسلام من زمن بعيد مدى أهمية الشباب المؤمن الواعي في عودة الأمة إلى سابق تفوقها وقيادتها وسيادتها، فأعدوا المخططات، ونفذوا المؤامرات، وأعانهم بعض بني جلدتنا، من أجل أن يحوّلوا أنظار شباب الأمة عن غايته الأسمى، إلى غايات ما خُلقوا لها، حتى أنهم للأسف استطاعوا أن ينشؤوا منهم كثيرين تاهوا في الحياة.

وشباب بهذا الإيمان المهتز، والشخصية المرتبكة، لا يصلح لأن يكون سببا في إيجاد حضارة، ناهيك عن قيادتها إن وُجدت..!

يجب على المصلحين أن يسعوا إلى تقوية إيمان الشباب، وتعريفه بعقيدته وشريعته وماضيه المجيد، وإعادة تشكيل وعيه حتى لا يهدر طاقاته في أشياء لا تنفعه في دينه ولا في دنياه..!

وإنما نأمل أن يكون شبابنا كما أمل إمامنا المجدد الشيخ عبد الحميد بن باديس –رحمه الله- ” يحفظون أمانة الأجيال الماضية للأجيال الآتية، ولا ينكرون أصلهم وإن أنكرهم العالم بأسره، ولا يتنكرون لأمتهم ولو تنكر لهم الناس أجمعون”. (ابن باديس حياته وآثاره، 3 /ص469).

 

 

 

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

الإسلام منهج شامل/ كمال أبو سنة

الراسخون في العلم الشرعي يدركون جيّدًا أنّ الفكرة الإسلامية شاملة لا تتجزأ، وكاملة غير منقوصة، …