الرئيسية | في رحاب الشريعة | فقه الاهتداء بالقرآن الكريـم اعتصمت به أجيال فارتقت، وهجرته أجيال فخابت وخسرت/محمد مكركب

فقه الاهتداء بالقرآن الكريـم اعتصمت به أجيال فارتقت، وهجرته أجيال فخابت وخسرت/محمد مكركب

القرآن كتاب هداية من البداية إلى النهاية، من بداية حياة الإنسان، وما يحتاج إليه من المعالم والبيان، إلى نهاية ما يصل به إلى الجنان، لقد عمل به الصحابة ففازوا وانتصروا، وهجره خلْفٌ من بعدهم فانهزموا وانكسروا؟ القرآن هو القرآن فتح به الفاتحون وارتقى به الصالحون، وبنوا حضارة البصرة والكوفة، وقرطبة وغرناطة، والقرآن هو القرآن مع آخر ملوك الأندلس، ولكنهم خابوا وخسروا بتركهم القرآن، غلطة ملوك الطوائف، ملوك الطرب والفوضى والاستبداد، لن تغفرها لهم الأجيال، فوضى وانحطاط في عهود التعصب القبلي والفرقي والمذهبي، فلما خالفوا أحكامه تخَلَّفوا، ولما تنازعوا بينهم ضاعوا وضَيَّعُوا..

بماذا امتاز جيل الصحابة رضي الله عنهم، وكيف أخرجهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم من حمية الجاهلية الأولى إلى مجتمع ملائكي وكان منهم الخلفاء الراشدون، والأبطال الفاتحون، والعلماء الفقهاء المصلحون؟ ألم يقل له ربنا رب العالمين:﴿الر كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ [إبراهيم:1] ليخرج الناس من ضلالات الشرك والكفر إلى هدى الإيمان والإسلام، ومن ظلمات الجهل والجاهلية، إلى مقامات العلم والتزكية. لماذا كان يصدر عمر بن الخطاب قرارا بالمدينة يستجيب له الشرق والغرب والشمال والجنوب بفضل علام الغيوب؟ لأنه كان يتدبر القرآن ويعمل بشريعة القرآن ويلازم القرآن، ويأكل ويشرب ويلبس ويسكن ويجالس أهل القرآن. كان الصحابة حياتهم قرآنية، وتفكيرهم قرآنيا، وسياستهم قرآنية، وقضاؤهم قرآنيا. تعلموا من رسول الله واتبعوا سنة رسول الله، فصاروا قرآنا يتحرك على الأرض.

قال محاوري: هل يمكن أن تحدد لنا عناصر واضحة كانوا يستمسكون بها؟ لأن القرآن هو القرآن الذي كان عندهم هو الذي الحكام والعلماء والجنود والعمال في أيامنا هذه، لماذا أولئك كانوا سادة يصدرون القرارات وغيرهم ينفذ، وبعض هؤلاء عبيد ينفذون قرارات غيرهم؟

1ـ كان إيمان الصحابة قائما على الصدق واليقين.

2ـ كانوا يفضلون التضحية في سبيل الله على الشهرة والأنانية.

3ـ كانوا متحدين كالجسد الواحد لا يتنافسون على المال والزعامة.

4ـ لازموا بين السنن الكونية والسنن الشرعية لم يغرقوا في حب الدنيا وحطامها.

5ـ كانوا يتعلمون ليذكروا الله تعالى ويشكروا له، لا للافتخار والتسلط بالمناصب والمكاسب والمحاسب والمراتب.

6ـ كان الصحابة أمناء محافظين يحفظون الأمانات ويؤدونها إلى أهلها.

7ـ كانوا يتولون القيادة إن كُلِّفُوا بها لخدمة الناس، لا لاستعباد الناس، ولا للاختلاس وملء الأكياس.

8ـ كان الصحابة يُحَرِّمُون ما حرم الله ورسوله، ويحلون ما أحله الله ورسوله. نصروا الله فنصرهم، وأحبوا الله من قلوبهم وبأفعالهم فأحبهم الله.

9ـ كان الصحابة يحافظون على الصلاة وإيتاء الزكاة، فخلف من بعدهم خلْف تهاونوا في الصلاة والزكاة، واشتغلوا بالسهرات والتجارات.

10ـ كان الصحابة يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم.

11ـ كان الصحابة يبلغون رسالات ربهم لخلقه، يعلمون القرآن والسنة والقيم.

كان الواحد من الخلفاء يأمر الولاة بتعليم الناس الدين، يأمرون الناس بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، والجهاد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. كانوا يمنعون الفجور، ويحرمون العري وبيع الخمور، ويعاقبون من يجاهر بالفسوق والشرور.

ولم يكن العلماء منهم يشتمون ويتهمون بعضهم بالبدع ويدخلون الأمة في حرب الخلافات كما يفعل الدعاة الفتانون اليوم، الذين فرقوا الشباب، وأشعلوا نار الغلاب، وأعادوها جاهلية كما كان صعاليك الغاب. لم يكن جيل الصحابة يبحثون عن المشيخة والزعامة وراية الشهرة على حساب المبادئ والقيم.

خذ العنصر الأول فقط: (كان إيمان الصحابة قائما على الصدق واليقين) قال الله تعالى لهم: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة:91] عن بيع الخمر وشربها وعصرها، فكان جوابهم (انتهينا، انتهينا) نهاهم عن: (الربا) فقالوا: (انتهينا) نهاهم عن طاعة الكافرين فقالوا: (انتهينا) أمرهم بالحكم بما أنزل الله قالوا: (سمعنا وأطعنا) هكذا كان صدقهم ويقينهم أن الخير كل الخير في العمل بما أمر الله، واجتناب ما نهى عنه. فكيف حال بعض المسلمين اليوم؟ هل انتهوا عن صناعة الخمر وبيعها؟ وصناعة المخدرات وبيعها؟ وعن التعامل بالربا؟ وغير ذلك من التهاون. قال الله تعالى: ﴿إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ [المائدة: 91]

هل يعقل أن تباع الخمر في مدن المسلمين جهارا نهارا؟ وقال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلاَّ كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهى فَلَهُ ما سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللهِ وَمَنْ عادَ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ [البقرة: 275]، هل يعقل أن يظل التعامل بالربا في البلدان الإسلامية، بعد نزول هذه الآيات القرآنية؟ فلماذا لم ينتهوا عن المحرمات؟ والجواب: لنقص اليقين، عندما يكون إيمان العبد بغير صدق كامل، وبغير يقين شامل، لا يهتدي الاهتداء الصحيح، ومن ثم لا يرتقي بالقرآن. وتدبر البيان من خلال آيات القرآن. ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ [البقرة: 4]، اقرأ من بداية سورة البقرة إلى هذه الآية الرابعة. وقوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ [الروم:60] ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ [السجدة: 24] ﴿هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [الجاثية: 20].

إذا ضعف اليقين عند المؤمنين ابتعدوا عن رياض المتقين، وحينها يتعرضون لنزغ الشياطين وكيد الكافرين، وتصير الدنيا همهم، والمال سلطانهم، والهوى مبادأهم، وتنتشر الفوضى ويكثر الفساد. وإلا فمن أين جاءت الأزمات والنكبات والمصائب الموبقات؟ فماذا ينتظر الناس؟ هل ينتظرون وقوع القول؟ ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لا يُوقِنُونَ [النمل: 82] قال القرطبي: مَعْنَى ﴿وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ وَجَبَ الْغَضَبُ عَلَيْهِمْ، قَالَهُ قَتَادَةُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: أَيْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِأَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ. وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ وَأَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: إِذَا لَمْ يَأْمُرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَجَبَ السَّخَطُ عَلَيْهِمْ.

قال محاوري: هل المعنى أنهم كانوا لا يوقنون بأشراط الساعة، ومنها الدابة، التي تكلم الناس عند نهاية الدنيا؟ أم المقصود بالآيات، هي آيات القرآن؟ قلت: هذه من هذه، فمن يؤمن بالقرآن يؤمن بنهاية هذا العالم، وأشراط الساعة يقينية، ونهاية هذا العالم الدنيوي يوم تبدل الأرض غير الأرض أيقن عند المؤمنين المتيقنين، فلا تكن من الغافلين.

 

 

 

 

 

 

 

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

فـــــك قيــــود الأزمات والتخلص من عثرات الانهزامات

الشيخ محمد مكركب أبران Oulamas.fetwa@gmail.com/ الأزمة تعني الشدة والضيق والفاقة، وبمفهوم الاقتصاد فالأزمة هي القحط …