الرئيسية | في رحاب الشريعة | صيام العشر من ذي الحجة: بين البخاري ومسلم(6)/ محمد عبد النبي

صيام العشر من ذي الحجة: بين البخاري ومسلم(6)/ محمد عبد النبي

 

أخرج الإمام مسلم (2/833) وابن خزيمة (2/1008) وأحمد (40/177) والنسائي في الكبرى (2/165) والترمذي (3/120) عن الأعمش عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة -رضي الله عنها- قالت:” ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صائما في العشر قط”.

وأخرج الإمام البخاري (2/20) عن مسلم البَطين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال:”ما العمل في أيام أفضل منها في هذه، قالوا: ولا الجهاد؟ قال: ولا الجهاد، إلا رجل خرج يخاطر بنفسه وماله، فلم يرجع بشيء”.

ومن نفس الطريق أخرجه أبو داود (4/102) وابن ماجه (1/550) أحمد (3/433) وابن حبان (2/30) والترمذي (3/121) عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، لكن بعبارات أكثر تحديدا:”ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام – يعني أيام العشر- قالوا: يا رسول الله، ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء”.

أوردنا-فيما سبق-أن حديث مسلم- ومن معه- قد رجّح فيه بعض الأئمة الإرسال، وعلى افتراض صحّته موصولا فإنّ متنه لم يسعف أكثر الشرّاح المتأخرين، فذهبوا في تأويله مذاهب شتى، وعارضوه بحديث أبي داود، ومَن معه من الأئمة، لكن يُشوِّش عليهم الملاحظات الآتية:

أولا: حديث مسلم ينفي الصيام صراحة، وهم أثبتوه بلفظ العمل، على اعتبار أن الصيام جزء من العمل العبادي، ولا يخفى ما فيه.

ثانيا: درجوا على تفضيل ما يخرجه مسلم، حين يُضطرون للترجيح، لمكانته، ولإفادة أحاديثه القطع من حيث الجملة، وفي هذه المسألة مالوا إلى ترجيح مَن دونه من الأئمة ! ولو رجّحوا الإرسال في الحديث -ابتداء- لتجنّبوا الوقوع في الإشكال؟

ثالثا: لا يُسعفهم الاحتجاج بما أخرجه البخاري، للغموض الذي فيه، فقوله:” ما العمل في أيام أفضل منها في هذه” ليس فيه تحديد للعشر، بل إن بعض الشراح رجّحوا أن يكون قصد البخاري بالأيام أيام التشريق، بدليل الترجمة التي أوردها للحديث، حيث قال:” باب فضل العمل في أيام التشريق”.

قال الحافظ ابن حجر (2/459):” كذا لأكثر الرواة (أي: عن البخاري) بالإبهام، ووقع في رواية كريمة عن الكشميهني(أي: عن البخاري): ما العمل في أيام العشر أفضل من العمل في هذه، وهذا يقتضي نفي أفضلية العمل في أيام العشر على العمل في هذه الأيام..”. فتلتقي رواية أكثر الرواة -المُؤيَّدة بالترجمة- ورواية كريمة -المصرِّحة بالعشر- على إرادة أيام التشريق في الفضل أو الأفضلية.

وبعد أن أورد ابن حجر كلام أحد الشراح الكبار في دعم هذا التوجيه قال:” وهو توجيه حسن، إلا أن المنقول يعارضه، والسياق الذي وقع في رواية كريمة شاذ مخالف لما رواه أبو ذر-وهو من الحفاظ- عن الكشميهني شيخ كريمة بلفظ: ما العمل في أيام أفضل منها في هذا العشر..”.

ويبدو أن الحافظ ابن حجر مال إلى هذه الرواية الأخيرة، ولذلك راح يحشد لها روايات مشابهة لبعض أئمّة السنة فقال:” وكذا أخرجه أحمد وغيره عن غندر عن شعبة بالإسناد المذكور، ورواه أبو داود الطيالسي في مسنده عن شعبة فقال: في أيام أفضل منه في عشر ذي الحجة، وكذا رواه الدارمي عن سعيد بن الربيع عن شعبة، ووقع في رواية وكيع المقدم ذكرها: ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام يعني أيام العشر، وكذا رواه بن ماجه من طريق أبي معاوية عن الأعمش، ورواه الترمذي من رواية أبي معاوية فقال من هذه الأيام العشر..”ثم انتهى إلى القول:”.. فظهر أن المراد بالأيام في حديث الباب أيام عشر ذي الحجة، لكنه مشكل على ترجمة البخاري بأيام التشريق..” !

وعلى كلام ابن حجر الملاحظات الآتية:

أولا: ترجيح رواية أبي ذر على رواية كريمة مسلَّم به من حيث المبدأ، لكن تجاهل رواية -مَن وصفهم الحافظ نفسه بالأكثر- غريب !

ثانيا: حشد روايات أئمة آخرين للحديث نفسه بما يدعم رواية أبي ذر أشدُّ غرابة! لأنّ فيه تجاهل أكثر الرواة، وابتعاد عن محاولة فهم منهج الإمام البخاري نفسه في المسألة، ولذلك اصطدم صنيع الحافظ-مرة أخرى- بما ورد في ترجمة البخاري نفسه لِما أخرجه ! بما يجعله متميِّزا عن باقي الأئمة، وليس تابعا لهم، كما أوحى صنيع ابن حجر، رحمه الله، وقد أخطأ أيضا بعض محققي المصنفات الحديثية في إدراج رواية البخاري مع روايات غيره، في سياق الاستدلال على أفضلية العمل في الأيام العشر، والردِّ على رواية الإمام مسلم النافية للصوم فيها.

ويبدو-أخيرا- أنّ نأيَ الإمام البخاري عن حديث مسلم -إسناديا- وإخراجه لحديث “العمل”- بالترجمة المُشار إليها- عملٌ مقاصدي، تجنّب فيها الإمام كلّ ما من شأنه أن يوحي بوجود إشكالات التناقض في إخراج الأحاديث في كتابه، وتجدر الإشارة أيضا إلى أن صنيع الإمام مسلم -في تجنّب إخراج حديث”العمل” في العشر الأُول، مع ما أخرجه من حديث نفي الصيام فيها- يندرج ضمن نفس الملحظ المقاصدي، والله أعلم.

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

التكافل المجتمعي أعظم أساس في بناء الدولة القوية

الشيخ محمد مكركب أبران/ إن الأسس الكبرى لبناء الدولة نجملها فيما يلي: الأساس الأول: الحاكم …