الرئيسية | غير مصنف | بأية حال عدت يا عيد؟/ عمار طالبي

بأية حال عدت يا عيد؟/ عمار طالبي

ها أن العالم قد دار دورته، وهذا العيد قد جاء موعده، والعالم الإسلامي ينتحر بشعوبه، والنزاع يقطع أوصاله، وينخر عظامه، ويتآكل قلبه وأطرافه، بأيديه وأيدي أعدائه.

هذه أفغانستان مضت عليها ستون عددا، وهي تتمزق بددا، تداعت عليها الأمم، وحشدت لها الحشود والأحلاف، وما يزال تشب في أوصالها نار الخلاف والاختلاف،ـ ويمضي أهلها وأعداؤها من كل مكان في تدميرها وتشريدها وقتل آمالها ومستقبلها، ألا حان أوان يقظتها ورشدها؟

وهذه العراق أتى العدو على دولته، وآثار حضارته، ونشر فيها آثار الطائفية والعرقية ونيرانها، فخرب دولته، وأتى على وحدته، ونبغت طوائف وأحزاب متصارعة، وانتخابات مزورة كاذبة، وفتحت فيها أبواب الصراع بلا حد ولا نهاية، وأحرقت آماله وأمواله، وشرد شعبه، واختفت حدائق نخيله وحوائطه، وكاد ينضب ماء دجلة والفرات من أرضه، ألا يرشد هؤلاء ليعيدوا وحدتهم وأمنهم، وهم يسمون أنفسهم بألقاب وأحزاب إسلامية وما سلوكها بإسلامي، ولا بعراقي، جاءوا بالأمريكان ليصلح حالهم فأفسدها، وجاءت أحزاب وحشود فأغرقت العراق في طوفان النزاع.

وهذه سوريا العريقة في حضارتها، الأصيل شعبها تصاب بداء عضال، وكوارث أعتى حرب أهلية، ودولية، تشابكت بأرضها جيوش دول كبرى، وميليشيات شتى من أنحاء العالم المتخلف والمتحضر، أتوا على مدنها فأصبحت آثارا وأوزاعا، وعلى شعبها فشردته في أنحاء الدنيا بئيسا حزينا لاجئا بأطفاله ونسائه الحرائر، ورجاله ذوي الأنفة والإباء، ونصبت في أرض سوريا قواعد أجنبية، برا وبحرا، وجوا، وأخذ الطيران يقصف الشعب ويفجر أنفسه ودياره، ومؤسساته الحضارية، ومستشفياته، ومزارعه، وثرواته بأيد غريبة، لا نهاية لمطامعها، ولا حد لمصالحها، تنسق مع دولة الصهاينة لحمايتها، وتتجول بطيرانها في سماء سوريا تضرب وتقصف، وتهدد إيران وحزب الله وميليشيا أخرى تتعاون على سحق الشعب السوري، وسفك دمائه وتمزيق أواصره.

صراع وحرب لتقسيم الوطن، والتحكم في أطرافه وأرجائه.

إنها لفتنة الفتن، ومحنة المحن، ومصيبة المصائب، ألا يرشد من يتولى شؤون سوريا لإيقاف هذا النزيف وهذا الدمار الفظيع؟ في هذا العيد.

وهذه فلسطين الذي خلا الجو فيها للصهاينة لقتل شبابها وبناتها واعتقال أطفالها، ونهب أراضيها، وبناء قلاع مستوطناتها في أرض محتلة يحميها القانون الدولي، تسند أمريكا هؤلاء الصهاينة وتمكن لهم بكل قوة عدوانية على الشعب الفلسطيني المحتل، وتؤيد هذا الظلم الغشوم، وتضرب القانون الدولي والقرارات التي أصدرها مجلس الأمن، وتشجع الصهاينة على العدوان والقتل، قتل المدنيين العزل، ليس لهم إلا الاحتجاج على المظالم، والمطالبة بعودتهم إلى أراضيهم وديارهم، إنه لظلم فظيع، ومنكر أخلاقي إنساني من دولة تحسب نفسها ويحسبها الناس دولة عظيمة ديمقراطية، ولكن سلوكها يناقض ذلك كله، فإن الاعتماد على القوة والروح الإمبراطورية، والسيطرة عاقبتها معلومة في تاريخ الأمم والحضارات، وما يهلكها ويذهب بريحها إلا المظالم وتراكمها، وما تلبث أن تفجرها وتذهب بريحها، ومن أكبر المظالم أن تسمح لنفسها أن تمنح القدس عاصمة للصهاينة مخالفة بذلك كل قانون دولي في الأراضي المحتلة. إنه الطغيان والغرور بالقوة! وهؤلاء الذين يهيئون لصفقة القرن لمحو شعب فلسطين من أرضه إنما يحاولون المحال ويحرثون في البحر.

إن شعب فلسطين حر لا يرضى بالذل والاحتلال، وشبابه لا يتوقف عن الكفاح لتحرير أرضه، ومآل الظالمين المحتلين الخيبة والخسران، وأعجب ما نسمع أن بعض العرب يتحالفون مع الصهاينة بأمر من الأمريكان، فإذا صح هذا فإنه لا يعدو أنه من الخذلان للأرض المقدسة والخيانة لعهدة عمر بن الخطاب، ولتاريخ الأمة الإسلامية قاطبة، إنها جريمة الجرائم ما لها من غفران إلهي ولا تسامح تاريخي أبد الآبدين.

ألا يستفيق هؤلاء ويرشدون أم أنهم في طغيانهم يعمهون وفي ظلالهم يسبحون؟

إننا نحيي شباب فلسطين في العيد ونقول لهم: امضوا في جهادكم فإن الأمل فيكم، والمستقبل لكم، فهنيئا لكم بعيد كفاحكم وثباتكم وإصراركم على أخذ حقكم وعلى تضحياتكم أيها الشباب الأبي الأعز.

يا أيتها اليمن ما أعظم مصابك وأنت صاحبة الحضارة من قدم، ما الذي يراد بك يا يمن؟ إنها فتنة فاتنة، وتدمير وهلاك، ما دهاك؟ كنت في أمن منذ قرون يتعايش على أرضك الزيدية العاقلة الشريفة، والشافعية الهادئة الأبية، لا ضير أن يقع الخلاف الاجتهادي، ولا ضرر فهو غنى وتوسعة، ولا نزاع في أمر اجتهادي، فلماذا اليوم يحدث شغب واختلال مذهبي، وتشن حروب مدمرة لليمن، ألستم كلكم يمنيين عشتم قرونا طوالا متحابين، فلماذا اليوم هذا الخلاف وعلام هذا القتال والتشريد؟ ألا ترجعون إلى الرشد وأنتم معروفون بالحكمة والإيمان الصادق، والأفئدة التي لا تحمل حقدا؟

إنكم تدمرون أنفسكم ومستقبلكم بهذا النزاع، وتسمحون لغيركم لاجتياح دياركم، وقتل أطفالكم ونحر مستقبلكم.

إنه من الضلال المبين استعمال الطائفية سلاحا، والحزبية الضيقة مركبا، إنه مركب خاسر خائب، مآله الغرق، فكفوا عن الصراع والقتال وعودوا إلى أخوتكم ووحدتكم، فإن اليمن شعبكم جميعا ويجمعكم أيها اليمنيون المخلصون لليمن العزيز الذي نحبه من قلوبنا.

وهذه ليبيا العزيزة تمزق ويراد بها شر البلاء ما دها شعبها الأبي، شعب عمر المختار، وشهدائه الأبرار أن يصبح يقتل بعضه بعضا، وقد عرف هذا الشعب بالطيبة والخير، والدفاع عن حريته وشرفه، ألا يحسن به اليوم أن يرشد أطرافه المتنازعة ويعودوا إلى وحدتهم وتدبير شؤونهم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية بأنفسهم، ويتداولون السلطة، لقد نضجت اليوم الشعوب، ولا شك أن الشعب الليبي يرمي إلى النضج، وفيهم العقلاء الراشدون، فهل من مصلحتكم هذا القتال الذي يسمح للأجانب أن يجوسوا خلال دياركم، وأن يفرقوا بين صفوفكم وأنتم شعب واحد. إننا نحبكم أيها الإخوة الليبيون ونعلم شهامتكم وعزتكم فلماذا تفرطون في وحدتكم؟

ندعو الله لكم في العيد أن تعودوا إلى التعقل والتوحد وأن تكفوا عن تدمير أنفسكم فإن عزمتم فإن الله معكم.

ألا أيها العالم الإسلامي متى ترشد، وتكف عن التبعية وتدمير شعوبك، فإن أبواب التاريخ والحضارة مفتوحة لك إذا عزمت على اقتحام مسار التاريخ المشرق.

 

 

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

ملامـــــح الثــقــــافـــة العربيـــة فــي إيطــــاليـــــــا

عز الدين عناية  / شهدت الدراسات العربية في إيطاليا تحوّلات كبرى خلال العقود الأربعة الأخيرة، …