الرئيسية | على بصيرة | يا عيد… !/ الأستاذ الدكتور عبد الرزاق قسوم

يا عيد… !/ الأستاذ الدكتور عبد الرزاق قسوم

أطلت علينا شمس نهارك، مبشرة بطلوع يوم جديد، قالوا عنه إنه يوم العيد؛ فاستبشرنا بهلال سعيد. تسابق البعض منا في اقتناء الثوب الجديد، وتنافس البعض في إعداد وتقديم ما لذ من الثريد.

أما المؤمنون، منا، فقد حمدوا الله على أداء واجب الصوم، وقيام الليل، وإنهم يتطلعون في طاعة الله إلى المزيد.

إن العيد عيدان؛ عيد يقصره البعض على ما لذ وطاب من المآكل والمشارب، وأكل اللحم والقديد، وما ذلك بالعمل النافع المفيد. أما الفئة المؤمنة، الواعية، فهي تتخذ من العيد، مناسبة لتأمل واقع الوطن، ومصير الأمة في الأمد القريب والبعيد.

فالمتأمل في واقع الوطن والأمة، يقض مضجعه ما يعانيه السوري اللاجئ الطريد، والمصري في المدينة وفي الصعيد، ومحنة اليمني الذي يعيش خائفا مترقبا في بلده الذي كان يوصف بالسعيد والتليد.

ولا تسلني عما يعيشه ابن ليبيا، في “بنغازي” و”درنة”، وفي كل أنحاء البلد، الذي تحكمه النار، ويكبله الحديد.

فما لنا –والحالة هذه- وأفراح العيد، ومواويل الدفوف، التي تعزف للصم، البكم الذين لا يعقلون؟ فبالقرب من هذه الأفراح، رُضّع حول أيامى، فقدوا الأب في الحرب الهوجاء، وأرامل تائهات في الصحارى والبيداء، لا زاد لهن، ولا غطاء، وصدق الشاعر العراقي معروف الرصافي حين قال:

ألا ليت يوم العيد لا كان إنه

يجدد للمحزون حزنا فيجزع

فإذا لعب أطفالنا، وتزينوا ببهجة العيد، يجب أن نذكر أطفالا في سنهم، أظلمت الحياة في وجوههم، فعضّهم الدهر بنابه وكشّر لهم عن أنيابه، فأغلق في وجوههم كل نوافذه وأبوابه، وحينما نجلس على الموائد المزدانة بكل أنواع الأكل، والحلويات، ينبغي أن نتذكر، إخوة لنا، لا يقلون شأنا عنا، ولكن الحرب الأهلية، والهجمة الاستعمارية الصهيونية، حرمتهم من أبسط اللقمة الغذائية..

إن العيد -إذن- في معناه الإسلامي هو مناسبة لإشاعة الفرحة في الوجوه، وزرع البسمة على الأفواه، وتحقيق الاكتفاء الذاتي، ليتفرغ المسلم في العيد للعبادة، والعيادة، أي معايدة العباد، وتناسي الأحقاد، وإعادة الطمأنينة للنفس وللفؤاد.

غير أن العيد، في فهمنا الساذج، قد انتقل من العبادة إلى العادة، فغابت عنه كل القيم التي كانت بمثابة الأوسمة والقلادة.

فصار الناس يتزاحمون على اقتناء المشتريات في المناسبات، ونسوا، كل ما يحيط بهم من أنواع المحن، والمأساة.

فهل لمن أضاع فلسطين، والقدس الشريف عيد، وأبناء فلسطين يرفلون في قيد الحديد، ويسومهم العدو الصهيوني كل أنواع الخسف، والتشريد؟

أما آن الأوان، أن نرشد كل أنواع المناسبات الدينية والوطنية، حتى نجعل منها مناسبة لإيقاظ الضمائر، ومهمازا لحماية الأحرار والحرائر، وتجديدا للعزم على دفع الظالم الجائر، وتجنيب أوطاننا المزيد من الخسائر؟

كان المسلون في العيد –تطبيقا لمقاصد الشعائر- يتخذون من العيد مناسبة، للإعداد والاستعداد، فيخرجون إلى المصليات، في مظاهر كلها قوة، ويكبرون في صفوف متراصة، كلها تضامن وأخوة، فيرهبهم الأعداء، فلا يكسرون حيطهم، ولا يهدمون لهم أبوة أو بنوة.

أما اليوم، فقد طاف طائف على أمتي، استوى لديها العيد والمأتم، وتساوى، في مبادئها، الانهزام والمغنم.

هل تغير، دينها الذي كان عنوان قوتها؟

أم هل نسخت القيم الدينية التي كانت هي معلمتها، وملهمتها؟ معاذ الله !

إن الإنسان هو الذي حاد عن المبادئ، فانقلب عليها، وهو الذي كفر بالتعاليم فتنكر لها، وبذلك تحولت قوة الأمة الإسلامية إلى ضعف، ووحدتها إلى أف، وعزتها إلى سخف.

نريد للعبد في الجزائر، وقد كانت رائدة في الدين والدنيا، أن تتصدر -اليوم- بقيادة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، عملية إعادة المعاني الإسلامية كالعيد، إلى النبع الصافي الذي لا ينضب، فتنزل هذه القيم النبيلة على واقع الأمة الإسلامية، وعلى واقع الوطن الجزائري، فتبعث بهما في رحلة إلى الحياة، بحثا عن المجد الضائع، وذلك بالالتفاف حول الواحد الصانع.

فكفى ما تعانيه أمتنا من تيه وضلال بسبب بعدها عن الدين الصحيح، وكفى أمتنا تشرذما وخذلانا، بسبب، انعدام الروح الوطنية من أبنائها، قادة ومقودين !

إن مليارا ونصف المليار من الأمة الإسلامية قادرون على أن يُخرجوا الصهاينة، لو مسخهم الله، ذبابا بمجرد طنينهم، فكيف لو استخدموا سلاح النفط وسلاح المقاطعة، ومنهجية الرفض والممانعة، فإذا حققت الأمة ذلك وعادت إلى رشدها، سيجد العيد لدينا كل معناه المفقود، وكل مقصده المنشود، وحتى لا نبرأ إلى الله من العيد وما يفعله أهلنا –عن جهل وغباء- في العيد، ويومئذ يتحقق لأمتنا أملها المنشود، ونصرها الموعود.

عن المحرر

شاهد أيضاً

متى يَرْعَوي الذين في قلوبهم مرض والمرجفون في الإعلام والمدينة؟

أ.د. عبد الرزاق قسوم رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين/ ابتليت جمعية العلماء المسلمين الجزائريين منذ …

تعليق واحد

  1. السلام عليكم صح عيد كم وكل عام وانتم بخير وبصحة جيدة انشاء الله
    ان مليار ا ونصف المليار نايمين في العسل يا استاذ والخليفة السادس او المهدي المنتظر تأخر في المجيء والاسلام منذ زمن لا يحكم بلاد المسلمين وفي التاريخ علمونا اننا انتصرنا قديما بما يكفي كيلا نرهق انفسنا بالتفكير في نصر جديد فنحن نعيش في متحف اقصد حلم جميل لا نريد ان نصحوا منه