الرئيسية | وراء الأحداث | هل خضع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للردع الكوري؟/عبد الحميد عبدوس

هل خضع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للردع الكوري؟/عبد الحميد عبدوس

ما كان يبدو احتمالا بعيدا، وحتى أمرا شبه مستحيل قبل أشهر قليلة، تحول إلى لقاء مباشر بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس كوريا الشمالية كيم جونغ أون. وبعد حوالي ساعة من أول لقاء بينهما، تصافح الرجلان أمام عدسات الكاميرات، وقال ترامب: “أن اللقاء تم بصورة أفضل، من ما كان يمكن تصوره”.

قبل حوالي عام ونصف من هذا اللقاء، شكل وصول دونالد ترامب إلى رئاسة الولايات المتحدة الأمريكية مناسبة لتصعيد لهجة الخطاب بين كوريا الشمالية والولايات المتحدة إلى حد تبادل الشتم والتهديد بين الزعيم الكوري كيم جونغ أون والرئيس الأمريكي دونالد ترامب، مما جعل الأمور تبدو أنها وصلت إلى حافة الحرب النووية بين الدولتين؛ حيث أنه في أول خطاب للرئيس الأمريكي دونالد ترامب أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في شهر سبتمبر2017م، هاجم كوريا الشمالية مهددا “بتدميرها بالكامل… إذا اضطرت الولايات المتحدة للدفاع عن نفسها أو عن حلفائها”،  ورد عليه الزعيم الكوري كيم جونغ أون قائلا: “أصالة عن نفسي بصفتي شخصا يمثل جمهورية كوريا الشعبية الديمقراطية، وباسم دولتنا وكرامة وشرف الشعب، سأجعل الرئيس الأمريكي يدفع ثمنا باهظا على تصريحاته المتهورة، التي انطوت على تدمير جمهوريتنا بالكامل”.  كما وصف الزعيم الكوري الرئيس الأمريكي بـ “العجوز المجنون” و”رجل العصابات الذي يلعب بالنار”.

وعلى الرغم من ذلك، فقد تحول التهور السياسي والتصعيد الإعلامي، والتحرش العسكري بين أمريكا وكوريا الشمالية إلى لقاء أنهى أكثر من نصف قرن من العداء بين البلدين، أو أنه أبعد على الأقل في ما يبدو شبح الحرب بين أعداء الأمس القريب..!

لقد تحولت دولة سنغافورة التي احتضنت اللقاء يوم 12 جوان الجاري 2018م إلى محطة لأنظار واهتمام  العالم، وحسب وسائل إعلامية كان سبب اختيار سنغافورة مكانا للقمة الأمريكية الكورية الشمالية لكونها تتمتع ببنية تحتية أمنية قوية، كما أنها تعتبر عبر نطاق واسع واحدة من أكثر المدن أمنا في قارة آسيا، كما تفرض قيودا صارمة على وسائل الإعلام والتجمعات العامة، وهي الأجواء التي يفضلها مواطنو كوريا الشمالية، كما أن سنغافورة تشكل وجهة مقبولة بالنسبة للصين، وهي حليفة رئيس كوريا الشمالية، كما سخرت مواقع التواصل الاجتماعي من جهل وزارة الخارجية الأمريكية لموقع سنغافورة، حيث ذكرت في مذكرة أصدرتها تتعلق بالقمة بين كوريا الشمالية والولايات المتحدة، ونشرتها على موقعها الإلكتروني أن سنغافورة جزء من ماليزيا المجاورة.

وعلى الرغم من أن الرئيسين  الأمريكي والكوري الشمالي قد وقعا وثيقة مشتركة، تعهد بموجبها الزعيم الكوري “بنزع كامل للأسلحة النووية في شبه الجزيرة الكورية”. إلا أن صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية رجحت أن يكون ترامب قد خُدع في سنغافورة، وأنه قدم تنازلا ضخما بإيقاف التدريبات العسكرية مع كوريا الجنوبية، وأسبغ بذلك في الوقت ذاته، الشرعية على كيم جونغ أون. كما أن الرئيس الأمريكي اعترف بكوريا الشمالية كقوة عظمى مساوية، ومنحها ضمانات أمنية مقابل تأكيد كيم – ببساطة- بأنه “متمسك بنزع السلاح النووي في شبه الجزيرة الكورية”، وهو الموقف الذي رددته بيونغ يانغ مرارا منذ عام 1992م. على حد قول الصحيفة التي توصلت إلى استنتاج يقول: “إن كيم حشر ترامب في الزاوية تماما، وأنه من المخيف أن الرئيس الأمريكي لا يعي ذلك، وأن لديه الآن حظوظا أقل بكثير مما كان لدى المفاوضين السابقين الذين توصلوا إلى صفقة مع كوريا الشمالية في السابق”.

غير أن الوصول لهذه المحطة وتحقيق هذه النتيجة الباهرة بالنسبة لكوريا الشمالية التي كانت الولايات المتحدة الأمريكية تعتبرها دولة مارقة وتدرجها في خانة محور الشر، لم يكن ممكنا  لولا  تمسك الزعيم الكوري الشاب كيم جونغ أون البالغ من العمر 34 سنة بحق دولته في تطوير قدراتها الردعية في عالم لا يحترم إلا الأقوياء.

ففي مطلع العام الجاري 2018م أعلن الرئيس الكوري في خطابه بمناسبة السنة الجديدة أن تطوير الأسلحة في البلاد قد اكتمل في أعقاب التفجير النووي الأقوى الذي قامت به كوريا الشمالية في سبتمبر 2017م. وقبل ذلك بشهر قال النائب الأول لرئيس لجنة شؤون الدفاع والأمن في الغرفة العليا للبرلمان: “إن الأمر الوحيد الذي قد يمنع واشنطن من توجيه ضربة لكوريا الشمالية هو احتمال رد بيونغ يانغ على تلك الضربة”. وقالت الصحيفة (ذا ديلي ميل البريطانية): “زعيم كوريا الشمالية يدرك أنه رغم تهديداته لأمريكا لن يفوز، ولكن ترامب يدرك أيضا أن قرار حربه بمثابة انتحار، كلاهما يعلم جيدا أنه لو اختار الدخول في حرب سيحول بلده الى حمام دم، كما سيتعرض لإهانة كبيرة يصعب عليه التراجع بعدها”.

ومما يرجح خضوع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لمطالب كوريا الشمالية، وتنازله أمام الرئيس الكوري، وهو الذي رفع شعار “أمريكا أولا” واستخدم سياسة الغطرسة والابتزاز العلني في تعامله مع الآخرين، وأشعل قبل توجهه إلى سنغافورة للقاء الرئيس كيم جونغ أون، نار حرب تجارية مع حلفائه في أوربا وكندا بإعلان انسحابه من البيان الختامي لمجموعة الدول الصناعية السبع (جي 7)، وقبل ذلك كان قد انسحب من الاتفاق النووي مع إيران الذي جاء نتيجة لمجهودات دبلوماسية كبيرة، ومفاوضات شاقة وطويلة النفس بين إيران ومجموعة 5+1 التي تضم الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي (الولايات المتحدة، فرنسا، بريطانيا، روسيا، الصين) بالإضافة إلى ألمانيا، والتي بدأت في عام 2006م أو لم يتم التوقيع على الاتفاق بين الطرفين إلا في 2015م. كل هذه الخطوات التي سلكها ترامب قبل الوصول إلى قمة سنغافورة، لا تدل على توجه نزيه لإحلال السلام الأمن الدولي، ولعل أوضح دليل على سياسة ترامب المثيرة للقلق، هو لجوؤه المتعمد لتأجيج  الصراع في الشرق الأوسط بانتهاج سياسة التحيز المطلق للعدوان الإسرائيلي، والتنكر لحق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة التي تقرها الشرعية الدولية.

عن المحرر

شاهد أيضاً

الدكتـــور عبــد الله شريــط الفيلســوف الـمناضــل

أ. عبد الحميد عبدوس/ عن عمر ناهز تسعة وثمانين عاماً رحل المجاهد الأستاذ الدكتور عبد …