الرئيسية | على بصيرة | إسلام السوق… وإسلام الملعب/ أ.د. عبد الرزاق قسوم

إسلام السوق… وإسلام الملعب/ أ.د. عبد الرزاق قسوم

في ظلال النفحات الرمضانية، التي تعطر أجواء الأمة الإسلامية، كانت جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، سبّاقة – كعادتها- إلى ضخ هذه الأجواء بعبقها الشذي. فهي تحيي ليالي رمضان، بمختلف الأنشطة الثقافية، ذات النفس القرآني، ممثلا في المحاضرات، والندوات والمسابقات.

فمن الأحياء الجامعية، إلى المنتديات العلمية، مرورا، بالمصليات والمساجد، أبت جمعية العلماء، عبر كامل ولايات الوطن، إلا أن تنشط الحياة الرمضانية، بهذا الزخم العلمي المتميز.

فدروس المساجد، ومحاضرات نادي الترقي، ومسابقة الحي الجامعي للبنات، كلها شواهد على الإخصاب الفكري الذي طبعت به جمعية العلماء، الليالي الرمضانية.

وفي هذا المد الديني المتميز، شدّ الرحال إلى ولاية سكيكدة، وتحديدا إلى عين شرشار وفد من الجمعية، يتقدمه رئيسها، وبمشاركة كل من الإخوة الأساتذة محمد الهادي الحسني، والدكتور محمد الدراجي، إلى جانب الصحفي عبد القادر قلاتي، والمصور عبد اللطيف حجيج. كانت المناسبة هي إقامة الدورة الثانية لشعبة بلدية جمعية العلماء بعين شرشار، وبرعاية كريمة من الصالح المصلح، الحاج عبد الحليم موردي.

تضمن الحفل، الذي حضره جمهور غفير، مباراة رياضية في ملعب البلدية، بين قدماء مولودية قسنطينة، هذا الفريق الذي أسسه الإمام عبد الحميد بن باديس، وفريق شباب سكيكدة العتيد، وبإشراف اللاعب الدولي المرموق عبروق، وأسفرت المباراة عن تعادل الفريقين واحد لمثله.

لقد قدم الفريقان في الملعب مجموعة من الدروس، لعل أبرزها، قيام المباراة بين لاعبين صائمين، وهو دليل على أن الصوم ليس عائقا، كما يزعم البعض، بل إن المسلمين الأولين، كانوا يجاهدون دفاعا عن أرض الإسلام، خلال شهر رمضان.

كما قدم الفريقان مثلا رائعا، في إبراز القيم الرياضية، بعيدا عن العنف، والتعصب، في جو ساده التسامح، واللعب الرياضي النظيف. كما تميز الجمهور، بروح رياضية عالية، حيث تمت المباراة بعد صلاة العصر.

وهكذا دخل الإسلام الملعب ليقدم الصورة المثلى عن الرياضة، كما يجب أن تكون، لا بحسب ما هو سائد في ملاعبنا.

وقد وزعت الجوائز على اللاعبين بإشراف قيادة الجمعية في جو ساده الفرح، والتآخي، والتسامح الرياضي.

وبعد المباراة، والإفطار الجماعي، وصلاة التراويح في مساجد الولاية، التي توزع الأساتذة عليها، لإلقاء دروس قبل صلاة التراويح، انتظم حفل آخر، في قاعة الحفلات، هذه القاعة التي عرفت بدورها جوا ثقافيا آخر، تمثل في إلقاء الأناشيد الوطنية والدينية، وتوزيع الجوائز على المتنافسين في مباريات حفظ القرآن بين البنين والبنات.

وفي يوم الجمعة كان لون آخر من النشاط الرمضاني، تمثل في توزيع الأساتذة على المساجد لإلقاء دروس الجمعة، وحضور منافسات توزيع الجوائز على حفظة القرآن في بلديات الولاية.

لقد قضينا يومين، حافلين بالنشاط العلمي، والفكري، والديني، دل على مدى حيوية الشعبة الولائية لولاية سكيكدة، وفروعها المنتشرة عبر مختلف الدوائر والبلديات.

وفي اليوم الثالث توجه الوفد إلى مدينة قسنطينة، حيث كان ينتظره نشاط علمي آخر، تمثل في  تنظيم إفطار جماعي، لممثلي شعب ولاية قسنطينة، وأعيانها من الجامعيين، والمثقفين، تخلل الحفل إلقاء كلمات وأناشيد دينية.

إن هذه النماذج التي قدمتها سكيكدة وقسنطينة عن النشاط الديني في ليالي رمضان، ليقدم رسالة واضحة للجميع، على مدى الحيوية التي تسود جمعية العلماء، ومدى حضورها في المشهد الثقافي الوطني.

كما ترمز الرسالة إلى النقلة النوعية التي تمثلها الجمعية، في النزول بالإسلام الصحيح، القائم على الكتاب والسنة إلى ميادين الحياة، في السوق وفي الملعب، وفي الجامع والجامعة.

إن الإسلام الإصلاحي الممنهج الذي تؤمن به جمعية العلماء، وتطبقه في الميدان، هو الإسلام الذي يدعو إلى نشر المؤاخاة بين أبناء الوطن الواحد، وإلى إشاعة الأمن والأمان والإيمان، لتثبيته –هذا الإسلام- في أعماق الضمير الجزائري، إن صيام رمضان يمثل قيمة إنسانية سامية، تنفتح دوما على المحبة، والتعاون، وعلى الرحمة والتكامل.

كما أن هذا الإسلام هو الذي تعمل جمعية العلماء على إدخاله السوق، لتسود بين التجار روح العطف والرحمة والرفق بالمتعاملين. كما أن الإسلام الذي يغسل القلوب والعقول من الأحقاد والأضغان، يخفي الغش، والتدليس، والغلاء، وكل أنواع الوباء، وذلك هو إسلام السوق الخالي من التجار الفجار، ومن ﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ، الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُواْ عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ﴾ [المطففين: 1-2].

ذلك أن الإسلام الإصلاحي الذي تدعو إليه جمعية العلماء المسلمين، هو الذي تعمل إلى إدخاله للملعب، ليؤصل الرياضة، ويرشد العقل الرياضي، فيصح البدن والعقل، وقديما قيل “العقل السليم في الجسم السليم”.

هذه إذن رسالة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين اليوم، التي تعمل على إعادة الوعي المفقود في الأمة، إلى كل فآت المجتمع، بدء بالطالب والطالبة في الجامعة، وانتهاء بالمصلى في الجامع، والتاجر في السوق، والرياضي في الملعب، وكل أفراد المجتمع على اختلاف مهنهم.

إن كل إصلاح حقيقي، للنهوض بالمجتمع يجب أن ينطلق من الإسلام، بفهم صحيح وتطبيق عملي صريح، فذلك هو ما يحتاج إليه مجتمعنا، الذي دبت بين أبنائه عقارب الفرقة الرعناء، والفتنة العمياء، فصار الأخ يعتدي على أخيه، والجار يسطو على الذي يليه، والشاب يستخدم الفاحش من القول بملء فيه.

إن هذا – إذن- هو ما تعمل جمعية العلماء على تفاديه، من آفات في شهر رمضان الكريم، والعمل بالموازاة على توعية الجميع، باستغلال الصيام في إرساء قواعد “العيش المشترك”، واستئصال شأفة العنف، والتنابز حتى يحقق أمل السلف الصالح من علمائنا الماهدين، الذين كان حلمهم حل مشاكل المجتمع بالإسلام، وإيجاد المجتمع الإسلامي الإنساني الأفضل، فيتحقق فيه قول الله تعالى ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ [آل عمران: 110].

عن المحرر

شاهد أيضاً

شحذ الهمّة وتنظيم «اللمّة» لبناء مقر الأمة

أ.د. عبد الرزاق قسوم رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين/ براءة الذمة، إلى الأمة، من كل …