الرئيسية | قضايا و آراء | {إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ} الإرادة الإنسانية هي الأساس الذي ينبني عليه التغير/ محمد العلمي السائحي

{إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ} الإرادة الإنسانية هي الأساس الذي ينبني عليه التغير/ محمد العلمي السائحي

لا يختلف اثنان على أن الوضع الحالي للبلاد العربية والإسلامية، لا يسر صديقا، ولا يزعج عدوا، كما لا أحد ينكر أن سوء الحال الذي عم البلاد والعباد، ليس مرده إلى انعدام الإمكانيات، أو نقص في الثروات، يؤكد ذلك، تمكن بلدانا أخرى من الخروج من دائرة التخلف والعجز والالتحاق بركب الدول المتقدمة، مع قلة الإمكانيات وندرة الثروات لديها، فالأمر لا يتعلق إذن لا بالوسائل والإمكانيات ولا بالثروات المتوافرة وحدها فحسب، ولا يمكن تفسير وضع البلاد العربية والإسلامية المتردي بكونها كانت ترزح تحت الاحتلال، فهذه ألمانيا هزمها الحلفاء شر هزيمة، ومع ذلك استطاعت أن تنهض من كبوتها تلك، وتصحح وضعها، وتبني نفسها من جديد، وتتمكن في ظرف عقود محدودة أن تتحول إلى قوة اقتصادية هامة جعلت أعداء الأمس يخطبون ودها، ويتسابقون إلى التحالف معها، وهذه اليابان التي خسرت حربها أمام الولايات المتحدة الأمريكية وهزمت هزيمة نكراء، ودمرت مدينتيها هيروشيما ونكزاكي بالسلاح النووي، وعلى الرغم من ذلك استرجعت عافيتها، وعادت إلى الحياة كأقوى ما تكون، وفرضت نفسها كقوة اقتصادية عالمية، وهذه الصين التي عبث بها واليابانيون ثم البريطانيون تمكنت من لمّ شعثها، ورص صفوفها واستطاعت أن في ظرف عقود جد محدودة أن تنفض عنها غبار التخلف وتتحول إلى قوة علمية واقتصادية، بل أصبحت هي القوة الاقتصادية الأولى في العالم، وهناك العديد من الدول التي كانت في وضع أشد سوءً مما هي عليه البلاد العربية والإسلامية اليوم، نذكر منها إندونيسيا وماليزيا وكوريا الجنوبية، فجميعها كانت تشكو من تخلف شديد، ولكنها استطاعت أن تتغلب على عجزها، وتتخلص من تخلفها، وتتحول إلى دول محترمة يتعامل معها المجتمع الدولي كله باحترام. والسؤال الذي يفرض نفسه: لماذا نجحت تلك الدول في التحرر من التخلف بجميع أشكاله؟ وعجزت عن ذلك الدول العربية والإسلامية؟

إن الجواب على ذلك نجده عند الإمام عبد الحميد ابن باديس رحمه الله وهو المتمثل في قوله تعالى: {إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ} [الـرعد: 11]، فهذه الآية الكريمة التي استمد منها الدواء لعلاج أوصاب أمته، ومداواة الأمراض التي زرعها فيها الاحتلال الفرنسي، من أمية وجهل، وفرقة وشعوبية، وانحراف عقدي، وانحطاط أخلاقي، وتفكير خرافي، ترتب عنه فقد الإنسان لقدرته على التغيير، واستسلامه للوضع القائم، باعتباره قدر محتوم لا سبيل إلى تغييره.

فابن باديس بتأمله في هذه الآية الكريمة وإمعانه النظر فيها، اهتدى إلى أن الإرادة الإنسانية هي الأساس الذي ينبني عليه التغير وبدونها يغدو مستحيلا، فركز جهده في تنبيه هذه الإرادة وتحريرها وتخليصها من كل ما يكبلها ويمنعها مباشرة فعلها، والتعبير عن نفسها بالأعمال العظيمة التي تشهد لها بالوجود والقدرة، فأنشأ المدارس والمعاهد، وأسس النوادي الثقافية والرياضية والفنية، وأصدر المجلات والجرائد، وبنى المساجد، واتخذ من كل ذلك أطرا لعلاج مختلف أمراض المجتمع، فصحح العقائد، وسما بالأخلاق، وحرر العقول، وبنى الأجساد السليمة، وأيقظ الوعي، وكانت النتيجة أنه في أقل من ثلاثة عقود، تهيأ له جيل أخذ على عاتقه تفجير ثورة التحرير الكبرى، التي مكنت الشعب الجزائري من طرد الاحتلال الفرنسي وتطهير أرض الجزائر من دنسه ورجسه.

وإذا رجعنا إلى الدول التي تمكنت من التحرر من التخلف والنهوض من جديد، وفرض وجودها على المسرح الدولي، لوجدنا أن القاسم المشترك بينها هو أنها أولت عنايتها للإنسان، وحاربت بكل شراسة الأمية والجهل والانحطاط الأخلاقي، ومجدت الانضباط والالتزام الأخلاقي، وتقديس العمل، وتصدت للمحسوبية، ولم تقم وزنا إلا للكفاءة، لذلك تمكنت من التغلب على وضعية التخلف التي كانت ترزح تحتها، ذلك لأن الإنسان هو صانع الحضارة ومبدعها، شريطة أن يكون هذا الإنسان، ذا حظ وافر من الإيمان، وعلى قدر كبير من الالتزام الأخلاقي، ورغبة عارمة في الوصول إلى أهدافه، وإدراك مقاصده وغاياته، وإذن على الدول العربية والإسلامية إذا أرادت أنت تخرج من حالة التخلف التي هي أسيرة لها، أن تعمد إلى تغيير الإنسان، فإذا ما تغير هو استطاع أن يستغل الزمان، في تغيير المكان، وبعث العمران…

عن المحرر

شاهد أيضاً

تهافت مقولة فصل القرآن عن الشريعة (2)

أ. عبد القادر قلاتي/ أكثر ما يزعج تيار العلمنة من الدين كلمة «الشريعة»، فهي في …