الرئيسية | اتجاهات | احتلال فلسطين بين الوكيل والأصيل -2-/ محمد الحسن أكيلال

احتلال فلسطين بين الوكيل والأصيل -2-/ محمد الحسن أكيلال

لم تعد سرًّا تلك العلاقة العضوية بين الدولة الـمنشَأة والدولة الـمنشِأة، بل أصبحت أمريكا تتباهى بها أمام العالم بأشكال مختلفة من الرعاية والدعم والمرافقة والتدخل العسكري أحيانا كثيرة لنجدتها وإنقاذها من الهزيمة مثلما حدث في حربي جوان 1967 وأكتوبر 1973 بحيث تدخلت في الأولى باستعمال طيرانها المنطلق من قواعدها والقواعد الإنجليزية في ليبيا لقصف كل المطارات العسكرية المصرية وتدمير الجيش العربي تدميرًا كاملا، وتدخلت في الثانية بالإمداد بالعتاد بعد تصريح وزير الدفاع “موشي دايان” بأن جيشه لم يبق لديه من الذخيرة غير كمية تكفيه لمدة 24 ساعة، وكانت هذه الحرب في البداية كادت أن تنتهي بانتصار باهر للجيش المصري وهزيمة منكرة للجيش الصهيوني، زيادة عن هذا الدعم اللوجيستي فقد قام وزير الخارجية الأمريكي “هنرى كيسنجر” بزيارة سريعة للقاهرة ليقابل الرئيس المصري “محمد أنور السادات” ويطلب تغيير خطط المعارك في سيناء لما فيه مصلحة الجيش الصهيوني، وكان له ما طلب فانقلب النصر المصري إلى هزيمة متفق عليها على أن تكون نصرًا  سياسيا انتهى بكل أسف إلى خروج مصر نهائيا من الصراع وتركت فلسطين لوحدها مكشوفة الظهر أمام العدو المدعم من كل الدول الإمبريالية.

آثار النكبة الحقيقية

في هذه الأيام يعيش الشعب الفلسطيني الأعزل، ومعه كل الشعوب العربية والإسلامية أجواء مأتم حقيقي للقضية الفلسطينية كعملية قتل طويلة دامت أكثر من سبعين سنة، لقد سميت النكبة لما أصاب الجيوش العربية في حرب عام 1948 على أيدي القوات الصهيونية المدعمة من طرف القوى الإمبريالية، وظلت النكبة تنمو باطراد أفقيا وعموديا في الشعور الجمعي للأمة بما كانت تحظى به من رعاية وتغذية مادية ومعنوية بطرق شتى إلى أن بلغت حد إعلان رئيس الولايات المتحدة الأمريكية أن القدس عاصمة أبدية للكيان الصهيوني ويتم الاحتفال بنقل سفارة بلاده من “تل أبيب” إليها أمام مرأى ومسمع من العالم في اليوم الذي يحصد فيه الرصاص الإسرائيلي أرواح أكثر من خمسين شهيد فلسطينيا في مساحة صغيرة جدًّا على خط التماس مع قطاع غزة المصنوع بالسواتر الترابية الملغمة والأسلاك المكهربة الشائكة يتمترس على تلاله الرملية جنود قناصة يصوبون بنادقهم نحو المتظاهرين من الفتيان والصبايا بل حتى الأطفال والشيوخ والعجائز.

المأساة أن ما حدث ويحدث إلى حد كتابة المقال ما كان ليحصل لولا تظافر كثير من الأسباب والعوامل المشجعة للدولة الصهيونية وراعيتها ومربيتها الولايات المتحدة وحليفتيها بريطانيا وفرنسا اللتين تمثلان دوري العاقلتين الحكيمتين الممتعضتين مما يحدث؛ في حين أنهما كانتا أول المبادرين لخلق هذا الوحش المتملص من كل الأعراف والأخلاق والمواثيق التي صاغوها هم في شكل قوانين لحماية وحفظ الأمن والسلم في العالم والحرية وحقوق الإنسان.

هذه المأساة ما كانت لتبلغ ذروتها لولا ما ظهر أخيرًا في الصحافة الأمريكية والأوروبية من تواطؤ دولتين عربيتين في مساعدة الرئيس الأمريكي على الفوز في الانتخابات الأخيرة ثم إقامة حفل ضخم له في الرياض في شكل مؤتمر قمة للدولة الإسلامية حضره أكثر من خمسين من الملوك والأمراء والرؤساء ووزراء الخارجية العرب والمسلمين ويكرم في هذا الحفل ويكرَّم بهدية تتمثل في مبلغ 450 مليار دولار في شكل صفقات شراء أسلحة واستثمارات في أمريكا لمساعدته على تجاوز الأزمة الاقتصادية في بلاده.

لقد كان حفلا ختاميا تتويجا لجهود وخدمات للتملق والتزلف لهذه الدولة التي أصبح رئيسها لا يخجل من التصريح الواضح بضرورة تمويل هذه الدول لبلاده نظير حمايتها لها من العدو اللدود الذي فبرك خلال العقود الثلاثة الماضية وصور للعالم بأن الشر كل الشر ضد شعوبهم ودولهم وكل الأمة العربية التي يريد هؤلاء الحكام فرض أنفسهم كقادة لها بقوة المال والسلاح والإرهاب الديني المفبرك أيضا في مخابر مراكز الدراسات الاستراتيجية الأمريكية والصهيونية الغربية رغم أن ديننا الحنيف بريء منه براءة الذئب من دم يوسف، والأغرب أنهم يدعون محاربة التكفير ويتهمون المناضلين والمقاومين للعدو الحقيقي بالخروج عن الدين لا فرق بين سنييهم وشيعييهم؛ والحديث واضح جدا بتحريم تكفير كل مسلم يشهد بأن لا إله إلاّ الله وأن محمدا رسول الله ومسلمو الإخوان في كل العالم معروفون بتدينهم وشيعة العالم وعلى رأسهم شيعة إيران (اثنا عشرية) كذلك.

المضحك المبكي في الأمر أن يبرروا هذا العداء لإيران بسبب طموحها الزائد للسيطرة على المنطقة، وهم أولى بذلك، وهذا صحيح لو كان هؤلاء الذين يريدون قيادة المنطقة لا يعرفون بأن هذه الخدمة إنما يقدمونها لدولة الكيان الصهيوني التي تطمح فعلا ولها كل الأسباب والوسائل الكافية لتكون الدولة الوحيدة القادرة على زعامة المنطقة، وما ينقصها إلاّ بيعة الشعوب العربية والإسلامية لها لكونها حجر الزاوية لعرشها الذي يبنى بهدوء وروية بأموال وإعلام وفضائيات هذه الدول التي تتسابق فعلا على تفعيل عمليات التطبيع بأشكال مختلفة بداية بمشاريع اقتصادية واستثمارات مشتركة وانتهاء بالمشاركة في فعاليات رياضية وثقافية وعسكرية.

للناسين والمتناسين أن يتذكروا بأن هذا المسار قد بدأ بمؤتمر مدريد للسلام الذي انتهى باستدراج منظمة التحرير الفلسطينية إلى أوسلو لتوقيع اتفاق استسلام والدفع بها إلى سجن رام اللـه، حيث تسهل عملية ترويض وتدجين كل أولئك الفدائيين الذين كان لهم شرف التأسيس للثورة الفلسطينية مرورًا بقتل “ياسر عرفات” ثم “صدام حسين” فـــ “القذافي” فالمحاولات اليائسة للتخلص من “بشار الأسد”، هذا دون نسيان أن المسلسل قد بدأ بالرئيس الراحل “هواري بومدين”، وقبله الملك “فيصل” رحمهما الله دون نسيان القادة الفلسطينيين المغتالين بالتوالي ابتداء من “أبي جهاد” و “أبي إياد” و “أحمد ياسين” و “الرنتيسي”، والقائمة طويلة.

هذه هي الآثار الحقيقية للنكبة، والنكبة الحقيقية هي نكبة اليوم لولا سمح الله وانتهت الفتنة في سوريا والعراق حسب ما خططوا لها.

إسرائيل الآن في قمة الفرحة والابتهاج لما تنتظره من خدمات مجانية تقدمها لها دول عربية منها الأغنى ماليا والأكبر بشريا بشريا وجغرافيا وجيوسياسيا. دولة الكيان الصهيوني في حاجة ماسة لها كعوامل قوة تفيدها حاليا ومستقبلا.

إن انتظار الخبر من هذه الدول ضرب من ضروب فقدان الوعي والعقل لأن المنطق يفرض فهم قواعد الاشتباك على حقيقتها، إن المنتصر في الحرب لا يقبل المنافسة ولا الحوار مع المنهزم، والتفاوض المزعوم هو شكل من أشكال استدراج الشعوب العربية إلى نفض أيديها من المقاومة والقبول بالأمر الواقع الذي فرضته دولة الكيان الصهيوني على الأرض بقوة السلاح، وما الجهود المبذولة لترويض حركة المقاومة الشعبية السلمية في الضفة الغربية إلاّ دليل قاطع على أن النخب العربية في كل الوطن العربي وخاصة السياسية منها والمثقفة، مع التأكيد بأن من هذه النخب والحمد لله من لا زالت على مواقفها المبدئية وأهمها أن ما أخذ بالقوة لا يسترد إلاّ بالقوة.

عن المحرر

شاهد أيضاً

رفـــــع الـمـــــــلام عن الإسلاميــــــين

عبد العزيز كحيل/ الاسلاميون هم انصار المشروع الإسلامي، دعاة، مصلحون، سياسيون، علماء، شرائح اجتماعية متعددة …