الرئيسية | في رحاب الشريعة | فقه القصد والتمام من فريضة الصيام إلى سنة القيام/ محمد مكركب

فقه القصد والتمام من فريضة الصيام إلى سنة القيام/ محمد مكركب

 

هذا المقال غايته الجمع بين التقويم الذاتي بحيث يظل المسلم ثابتا مداوما على منهج الاستقامة. هذا من جهة الانضباط النفسي الخاص بين العبد وخالقه. ومن جهة أخرى الحرص على التكامل أو التلازم بين العبادات والمعاملات. وتكرر الموعظة كل حين بأن التدين الحق، هو إعطاء كل ذي حق حقه، من الواجبات في وقتها وبقدرها، فبقدر ما نحرص على فريضة الصيام فرضا ونفلا، وعلى الصلاة فرضا ونفلا، وهذا مطلوب وجميل، ولكن كذلك نحرص على حسن القيام بالوظيفة  المجتمعية وهي فريضة الأمانة، والنوافل كما هي في العبادات، كذلك النوافل والتطوعات في المعاملات والخدمات، وكثيرا ما تكون نوافل الوظيفة المجتمعية وخدمة أصحاب الحاجات أفضل وأجرها أكبر.

الصائم الحق يصوم بالإمساك عن الْمُفْطِرات، ويصوم بالأخلاق الحسنة عن الموبقات: كثيرا ما نسمع النقد واللوم والعتاب على سلوك وتصرفات كثير ممن ينتسبون للإسلام، أنهم يخالفون القيم والآداب، ويخرجون عن إطار الحياء والتواضع والصبر، وقد يكون ذلك في بعض أيام العام، وخاصة في رحلة الحج أو العمرة، أو في شهر رمضان، مما يحدث منهم من الصخب والقلق المفرط، وربما الشتم والسباب، وربما التجاوزات المسيئة للمبادئ. ففي الحديث، عن أبي هريرة، رضي الله عنه رواية، قال:[ إذا أصبح أحدكم يوما صائما، فلا يرفث ولا يجهل، فإن امرؤ شاتمه أو قاتله، فليقل: إني صائم، إني صائم ] (مسلم.1151). وفي الحديث القدسي الآخر: قال الله عز وجل:[ كل عمل ابن آدم له إلا الصيام، فإنه لي وأنا أجزي به، والصيام جنة، فإذا كان يوم صوم أحدكم، فلا يرفث يومئذ ولا يصخب، فإن سابه أحد أو قاتله، فليقل: إني امرؤ صائم ] [والذي نفس محمد بيده، لخلوف فم الصائم أطيب عند الله، يوم القيامة، من ريح المسك] (مسلم.1151).

فإن الوصية تقول: على المسلم والمسلمة في رمضان وفي غير رمضان (( تذكروا واعتبروا رحمني الله وإياكم)) قلت في رمضان وفي غير رمضان. أن يكون المسلم قدوة، في العفاف والتعفف، والحياء والتلطف، أن يكون حليما متطاوعا، وسهلا متواضعا، لا يرد على السيئة بالسيئة ولكن يعفو ويصفح، ويصبر ويسمح. وصف الله عباده المؤمنين فقال:﴿ وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ وَإِذا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾(الشورى:37)، وقال تعالى:﴿ وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ (الشورى:40)، القرآن خير موعظة وخير نصيحة وخير هاد للمتقين.﴿ وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخافُونَ سُوءَ الْحِسابِ﴾ لماذا تقاطع أخاك؟ لماذا تهجر طائفة من المؤمنين افتراء. ﴿ وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ﴾ لماذا لا تصفح ولا تسامح، وأنت تصلي وتحقد على الناس؟ فها هي البشارة للمتراحمين المتسامحين:﴿ جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ * سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ (الرعد:23/24) اغتنم فرصة رمضان وصِلْ إخوانك عباد الرحمن. ومن وصايا هذا المنبر، في هذا المقال:

أولا الدوام والاهتمام.عن عائشة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:[ سددوا وقاربوا، واعلموا أَنْ لَنْ يُدْخِلَ أَحَدَكُمْ عَمَلُهُ الجَنَّةَ، وأن أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل] (البخاري.6464) والمعنى أن المطلوب النوعية والإتقان، أن يكون العمل سواء في العبادة الشعائرية أم العبادة المعاملتية، أن يكون مستمرا، ومتقنا، وكاملا، وتاما محكما، في الوقت والموعد. وهذا ما عنيناه بالعنوان:[ فقه القصد والتمام، من فريضة الصيام إلى كل عبادة في الإسلام]. ليست الفائدة في كثرة قيام الليل مع التهجد، وإنما في النية والإخلاص والإتقان والخشوع، وقيام الليل ليس في رمضان فحسب. فقسم الليل كل أيام العام، إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول [ للعَشَاء، والعِشاء، والمطالعة] والقسم الثاني[ للنوم وحق الجسد والراحة] والقسم الثالث [ لقيام الليل والفجر والورد القرآني]  ويكفي لقيام الليل إحدى عشرة ركعة. بما تيسر من القرآن، والسؤال:( أَيُّ الأَعْمَالِ أَحَبُّ إِلَى اللهِ؟ قَالَ: [أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ] وَقَالَ: [اكْلَفُوا مِنَ الأَعْمَالِ مَا تُطِيقُونَ ]( البخاري.6465) القصد، القصد، تبلغوا. والهدف في قيام الليل. الإتقان.[ مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ]. عن عائشة، زوج النبي صلى الله عليه وسلم، قالت:[ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي فيما بين أن يفرغ من صلاة العشاء إلى الفجر، إحدى عشرة ركعة، يسلم بين كل ركعتين، ويوتر بواحدة، فإذا سكت المؤذن من صلاة الفجر، وتبين له الفجر، وجاءه المؤذن، قام فركع ركعتين خفيفتين، ثم اضطجع على شقه الأيمن، حتى يأتيه المؤذن للإقامة](مسلم.736).

عن عبدِ اللهِ بن أَبِي لبِيدٍ، سَمِعَ أَبَا سَلَمَةَ، قال: أَتَيْتُ عَائِشَةَ، فقلت: أَيْ أُمّهْ ‍أَخْبِرِينِي عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَتْ: [كَانَتْ صَلَاتُهُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ وَغَيْرِهِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً بِاللَّيْلِ، مِنْهَا رَكْعَتَا الْفَجْرِ] أي أن نافلة الليل إحدى عشرة ركعة، مع ركعتي الفجر تصير ثلاث عشرة ركعة. كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم من الليل عشر ركعات، ويوتر بسجدة، ويركع ركعتي الفجر، فتلك ثلاث عشرة ركعة. يعني ثماني ركعات نافلة قيام الليل، زائد الشفع والوتر. ثم حتى إذا أذن لصلاة الفجر يصلي ركعتي الفجر.

والتذكير بهذا جوابا للذين يقيمون الليل وهم على حسن نية ولكن كثيرا منهم يعجز عن أداء الأمانة نهارا. بل بعضهم يتوقف عن العمل الوظيفي في رمضان، وبعضهم ينام أغلب النهار، بحجة أنه يصلي عشرين ركعة تراويح، وعشر ركعات تهجد.

هل تصلى صلاة التراويح في البيت؟ نعم يجوز للمسلم والمسلمة صلاة قيام الليل طول العام، ومنها صلاة التراويح في البيت، أو في المسجد، فصلاة التراويح نافلة ( أي تطوع) وكل صلاة نافلة القيام بها في البيت أفضل، إلا المكتوبة، والصلاة  المكتوبة هي:[ الصبح: ركعتان، والظهر: أربع ركعات، والعصر: أربع ركعات، والمغرب: ثلاث ركعات، والعشاء: أربع ركعات] هذه الصلوات المكتوبة من السنن المؤكدة أن تصلى في المسجد للأجر الذي بينه الرسول صلى الله عليه وسلم.

وأما صلاة التراويح فعن زيد بن ثابت: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اتخذ حجرة  في رمضان، فصلى فيها ليالي، فصلى بصلاته ناس من أصحابه، فلما علم بهم جعل يقعد، فخرج إليهم فقال:[ قد عرفت الذي رأيت من صنيعكم، فصلوا أيها الناس في بيوتكم، فإن أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة](البخاري.731)  مع العلم أن صلاة قيام الليل في رمضان، أي:( التراويح) صلاتها في المسجد جماعة من السنة، وأفضل أن يجتمع المؤمنون في المساجد لصلاة التراويح وراء إمام واحد، ولكن بالتخفيف المسنون في كل الصلوات.

ويستحب فيها التخفيف بثماني ركعات مع الشفع والوتر، بما تيسر من القرآن، قلت للتخفيف، وللتلازم مع الواجبات الأخرى، فمن وجد في نفسه استطاعة ووقتا زاد لنفسه في بيته وهذا هو الأصل في التطوعات، فمن استطاع أن يختم القرآن مرتين أو ثلاث في القيام في بيته فله أجر كبير. فاعلموا هذا أيها المؤمنون والمؤمنات، والنوافل تؤدى حسب قدرات الأفراد، لحديث النبي صلى الله عليه وسلم [ إلا أن تطوع]. وفي المسألة سعة. قال الله تعالى:﴿ فَاقْرَؤُا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللهِ وَآخَرُونَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَقْرِضُوا اللهَ قَرْضاً حَسَناً﴾ وأقيموا الصلاة المكتوبة، وآتوا الزكاة المفروضة. والقيام بالصلاة المكتوبة يقتضي من المسلم أن يؤديها في أوقاتها المشروعة، بأن يوزع أعماله وفق تلك الوقوت. ثم إن إيتاء الزكاة، يعني يجب طلب العلم، والتخطيط والإعداد والعمل لحصول الغنى الحلال لتُنْفَقَ الأموالُ في سبيل الله.

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

فتنة التطبيع الشنيع من قبول الاحتلال إلى الرضا بالاستذلال

أ. محمد مكركب/ لماذا رضي بعضُ حكام العرب الدنيويين باحتلال فلسطين منذ عقود، وسكتوا عن …