الرئيسية | قضايا و آراء | وثيقة كامبل: نحن ونظرية المؤامرة/ عبد القادر قلاتي

وثيقة كامبل: نحن ونظرية المؤامرة/ عبد القادر قلاتي

قصة هذه الوثيقة -كما تقول الدراسات التي أرخت لها- تعود إلى عام 1907م، عندما عقد مؤتمر اشتركت فيه مجموعة من كبار علماء التاريخ والاجتماع والجغرافيا والزراعة والبترول والاقتصاد. وأن هذا المؤتمر رفع توصياته سنة 1907 إلى رئيس الوزراء البريطاني آنذاك هنري كامبل حيث أكد المؤتمرون على: “إقامة حاجز بشري قوي وغريب على الجسر البري الذي يربط أوروبا بالعالم القديم، ويربطهما معاً بالبحر الأبيض المتوسط، بحيث يشكل -في هذه المنطقة وعلى مقربة من قناة السويس- قوة عدوة لشعب المنطقة وصديقة للدول الأوروبية ومصالحها؛ هو التنفيذ العملي العاجل للوسائل والسبل المقترحة”.

وهذا يعني وفق الوثيقة أن “خبراء الغرب” وجدوا في إنشاء كيان غريب (هو الكيان اليهودي الصهيوني لاحقاً) في غربي البحر المتوسط، وخصوصاً فلسطين وسيلة لإيجاد قلعة متقدمة ترعى المصالح الغربية، وتضمن ضعف المنطقة وتمنع وحدتها، وهو ما حدث ويحدث فعلاً بغض النظر عن صحة الوثيقة أو زيفها.

هذا ما قرأته للباحث الفلسطيني محسن صالح الخبير في الدراسات السياسية والاستراتيجية، الذي أجرى تحقيقا حول حقيقة هذه الوثيقة التي نشرت خلال الشهور الماضية، وإن كانت شهرتها قديمة فقد تداولها الكثير من الكتاب والصحفيين العرب، إلاّ أنّ تحقيق محسن صالح أسفر عن خلوي أي وثيقة تحمل أفكارها أو أي دراسة غربية أو عربية جادة، استندت إلى مصادر البحث العلمي في التثبت والدقة، يمكن الاعتماد عليها، في إعطاء هذه الوثيقة قيمة علمية يمكن التأسيس عليها في بناء أفكار حقيقة حول القضية الفلسطينية وحتى قضايا العرب التي تتصل بتأثير المشروع الغربي في عالمنا العربي والإسلامي.

لكن الباحث الفلسطيني –بحسب مقاله- وجد نصوصاً تدعم أفكار الوثيقة وما جاء فيها يقول محسن صالح: “إن ثمة وثائق وكتابات تشير إلى مضامين وسياقات قريبة أو داعمة لمعطيات وثيقة كامبل بنرمان المدَّعاة؛ فعندما التقى مؤسس الحركة الصهيونية ثيودور هرتزل برئيس الوزراء البريطاني جوزيف تشمبرلن سنة 1902، قال له هرتزل: إن قاعدتنا يجب أن تكون في فلسطين التي يمكن أن تكون “دولة حاجزة” بحيث تؤمن المصالح البريطانية..وأضاف: “لعل مسار الأحداث على الأرض يدعم مضمون وثيقة كامبل، لكنه لا يكفي لإثبات صحتها من ناحية علمية.  فقد تمّ إصدار “وعد بلفور” سنة 1917، وأصرَّت بريطانيا على أن تتولى بنفسها رعاية ونمو وتطور المشروع الصهيوني في فلسطين وإنشاء دولة يهودية، وقمعت إرادة الشعب الفلسطيني وسحقت ثوراته طوال ثلاثين عاماً (1917-1948) إلى أن اكتملت البنى التحتية “للدولة اليهودية” عسكرياً وسياسياً واقتصادياً واجتماعياً وإدارياً“.

وخلص الكتاب إلى أن الوثيقة لا يمكن الاستشهاد بها ولا الاعتماد عليها، وإن كان مضمونها يؤكد الكثير من الحقائق الموجودة على الأرض والتي لا تخطئها عين المراقب الحصيف، فإذا كان التحقيق العلمي أثبت عدم صحة هذه الوثيقة، إلا أن الواقع يؤكد حقيقة ما جاء فيها، وهي حقيقة تؤكدها وثائق كثيرة أخرى والواقع أكبر وثيقة صحيحة في تأكيدها، ومع هذا نقول إن واقعنا المأزوم لا تفسره وثائق الغير ممن هم في حكم الأعداء والغرب كان ومازال عدونا، وإنما يفسره مجالنا السياسي المأزوم منذ قرون طويلة، فأعظم المصائب في واقعنا، كان المسؤول الأول عنها الأنظمة السياسية، التي نشأت في جو من المؤامرات والخصومات الداخلية، وتطور مجالنا السياسي إلى أن أصبح الظلم ومخاصمة العدل المنطق الذي يشكل القاعدة السياسية، وتسرب هذا العفن السياسي، كما تسربت الكثير من الأفكار الميتة إلى حياتنا السياسية والدينية.

علينا أن نبحث عن الأسباب النفسية والفكرية المسؤولة عن واقعنا، فالبحث خارج مجالنا ضرب من العبث الفكري، الذي يطيل أزمتنا، ولا نخرج من ذلك إلا بخفي حنين، ورحم الله لسان من قال:

المستجير بعمر عند كربته…كالمستجير بالرمضاء من النّار

والله المستعان

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

مدن تشتهر بالمأكولات..في زمن الانتكاسات/ جمال نصر الله

   همس في أذني أحد المعلمين قائلا ونحن في مقهى بوسط المدينة ( أنظر يا …