الرئيسية | في رحاب الشريعة | فقه ضوابط الالتزام بين الصحة وكفارات الخطأ في الصيام/ محمد مكركب

فقه ضوابط الالتزام بين الصحة وكفارات الخطأ في الصيام/ محمد مكركب

بينا بعض أحكام وآداب الصيام في مقال الاستعداد لشهر رمضان، ومواصلة لتبيان ما يجب من فقه صلاح الأعمال، وضوابط الصحة والمآل، نبين هنا بعض الأشياء التي المفسدة للصيام، وكيفية الكفارة عنها، أو الأفعال التي تفسد أجر الصيام، وتبطل ثواب كثير من الأعمال، وقد يغفل عنها أصحابها؛ ثم الأشياء التي يظنها الناس مفسدة للصيام – وهي ليست كذلك- في الوقت الذي يسعى فيه الصائمون إلى التنافس على الازدياد من الخير، يقع فيه آخرون في إفلاس من حيث لا يشعرون.

علمنا أن الصيام ركن من أركان الإسلام، يقوم على ركنين:

  • النية الصادقة الواضحة المتيقنة: ذلك أن المسلم يصوم لله تعالى امتثالا لأمره، جل جلاله. {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [البقرة: 185].
  • والركن الثاني الإمساك من طلوع الفجر إلى غروب الشمس: لقوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ [البقرة: 171].

* مفسدات الصيام نوعان:

مبطلات للأجر والحسنات، ومفسدات للإمساك وصحة الصيام.

الأشياء التي تنقص الثواب أو تبطله

1ـ اللغو: فليس من الأخلاق الحسنة، ولا من الآداب أن يخوض المؤمن في اللغو، فمن صفات المؤمنين. ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون: 3]. فكل حياة المؤمن جِدٌ، واجتهاد، خاصة في رمضان.

2ـ إطلاق البصر في الحرام، سبب في ارتكاب الآثام: قال الله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ [النور: 30].

3ـ الغيبة والنميمة وشهادة الزور: لقوله تعالى: ﴿وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ [الحجرات: 12]،  وفي الحديث: [مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالعَمَلَ بِهِ، فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ] (البخاري.1903).

4ـ الرفث والصخب والسب والشتم، والشجار، والفجور في الجدال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [قال الله: كل عمل ابن آدم له، إلا الصيام، فإنه لي وأنا أجزي به، والصيام جنة، إذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابه أحد أو قاتله، فليقل إني امرؤ صائم] (البخاري.1904).

5ـ الغش والتقصير في العمل الوظيفي: قال الله تعالى: ﴿لاَ تَخُونُوا اللهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ [الأنفال: 27]. والتقصير المتعمد في الخدمات غش، وإخلال بالوعد، ونقض للعهد، وإفساد للود، كالتقصير في الأشغال العامة، والوظائف الإدارية، والتربية والتعليم، والصحة، وكل المهن. ففي الحديث. عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر على صبرة طعام فأدخل يده فيها، فنالت أصابعه بللا فقال: [ما هذا يا صاحب الطعام؟] قال أصابته السماء يا رسول الله، قال: [أفلا جعلته فوق الطعام كي يراه الناس، من غش فليس مني] (مسلم.102)؛ وفي حديث آخر: [مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلَاحَ فَلَيْسَ مِنَّا، وَمَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا] (مسلم.101).

6ـ الإساءة إلى الجيران: من يؤذي جيرانه كيف يتذوق الإيمان؟ وكيف يصوم إيمان واحتسابا؟ ومن يؤذي جيرانه ويرعب الناس، ويحدث الشغب والنكد للمؤمنين كيف يهنأ وهو يخون نفسه ويكذب على ضميره؟ إن ترويع الناس حرام؛ عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال: حدثنا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، أنهم كانوا يسيرون مع النبي صلى الله عليه وسلم، فنام رجل منهم، فانطلق بعضهم إلى حبل معه فأخذه، ففزع، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [لا يحل لمسلم أن يروع مسلما] (أبو داود.5004).

7ـ من الأشياء التي تنقص الثواب، وهي من المعاصي الكبيرة ليس في رمضان فحسب، ولكنها خطر على حياة المسلم في الدنيا والآخرة، هي أكل الحرام. قال الله تعالى: ﴿لَوْلا يَنْهاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كانُوا يَصْنَعُونَ [المــآئدة: 63]، والسحت هو كل حرام، وكل ما هو قبيح. وما خبث من المكاسب، كالرشوة، والربا، وثمن الخمر، وثمن الكلب، والمكس، وأخذ المال بدون عمل مقابل.

8ـ الإسراف والتبذير: قال الله تعالى: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً . إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ وَكانَ الشَّيْطانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً[الإسراء: 26/27]

مفسدات صحة الصوم

1ـ الأكل والشرب عمدا: فمن أكل أو شرب في نهار رمضان وهو صائم، فليقض ذلك اليوم. 2 ـ الجماع: فمن جامع زوجته وهو صائم في نهار رمضان فقد أفطر، وعليه أن يقضي اليوم، والكفارة. وهي أن يصوم شهرين متتابعين. فمن لم يستطع الصوم، يطعم ستين مسكين. ففي الحديث. عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: بينما نحن جلوس عند النبي صلى الله عليه وسلم، إذ جاءه رجل فقال: يا رسول الله هلكت. قال: [ما لك؟] قال: وقعت على امرأتي وأنا صائم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [هل تجد رقبة تعتقها؟] قال: لا، قال: [فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين] قال: لا، فقال: [فهل تجد إطعام ستين مسكينا]. قال: لا، قال: فمكث النبي صلى الله عليه وسلم، فبينا نحن على ذلك أتي النبي صلى الله عليه وسلم بعرق فيها تمر – والعرق المكتل – قال: [أين السائل؟] فقال: أنا، قال: [خذها، فتصدق به] (البخاري.1936)؛ من كان يصوم كفارة شهرين متتابعين، واضطر لقطع الصيام بمسوغ مشروع، كمرض، أو يوم عيد، أو حيض أو نفاس للنساء، يتوقف عن الصوم لذلك السبب، وبعد ما يزول العذر، يواصل إتمام ما بقي عليه من الصوم.

3ـ وما يفسد الصوم أيضا: إبرة التغذية وابتلاع الدواء عن طريق الفم، وغسيل الكلى.

4ـ وبالنسبة للمرأة خاصة (الحيض والنفاس): إذا كانت المرأة صائمة ونفست أو نزل عليها دم الحيض، تتوقف عن الصيام وجوبا، تأكل نهارا ولا تصوم، مادامت في أيام حيضها أو نفاسها، وكذلك لا تصلي، حتى تطهر، وتقضي أيام الصوم بعد رمضان، ولا تقضي الصلاة. والجنابة لا تمنع الصيام، ولكن يجب على الجنب أن يغتسل للصلاة، فمثلا من أصبح جنبا في رمضان حتى طلع الفجر يمسك صائما، ويغتسل وجوبا من أجل صلاة الفجر. وفي الحديث. عن عَائِشَةَ، وَأُمِّ سَلَمَةَ رضي الله عنهما، [أَن رَسُول اللهِ صَلى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُدْرِكُهُ الفَجْرُ وَهُوَ جُنُبٌ مِنْ أَهْلِهِ، ثُمَّ يَغْتَسِلُ، وَيَصُومُ] (البخاري.1925).

الدعاء في رمضان، وفي كل أيام الله تعالى. ومن الأدعية: دعاء الإفطار. [ذَهَبَ الظَّمَأُ وَابْتَلَّتِ الْعُرُوقُ، وَثَبَتَ الْأَجْرُ إِنْ شَاءَ اللهُ] (أبو داود.2357).

الأشياء التي لا تفسد الصيام

مما لا يفسد الصيام ما يلي:

1ـ الحقن كلها لا تبطل الصوم، إلا ما كان خاصا بالتغذية.

2ـ شم العطور بكل أنواعها.

3ـ القيء لا يفسد الصوم أيضا.

4ـ فصد الجروح والقروح واستعمال الدهن في الجروح.

5ـ مرهم علاج البواسير.

6ـ وقلع الضرس، والدواء في العين، أو في الأذن، والاكتحال.

7ـ المضمضة والاستنشاق، والسواك، والسباحة، والاغتسال.

8ـ من نام نهار صومه واحتلم، فصيامه صحيح، وما عليه إلا الاغتسال للصلاة.

9ـ الرعاف.

10ـ بلع الريق، وغبار الدقيق، مما يتعرض له الخبازون والطاحنون خاصة، وغبار التراب مما يتعرض له عمال الحفر، وأصحاب الشاحنات.

11ـ وضع دهن الطيب على الجسد.

12ـ فإذا كان شيء من الأكل بين أسنان الصائم وابتلعه، فلا شيء عليه ولا يتعمد ذلك.

عن المحرر

شاهد أيضاً

الطـــريق إلى الجنـــــة/ يوسف جمعة سلامة

أخرج الإمام الترمذي في سننه عن أَبي هُرَيْرَةَ- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ …