الرئيسية | على بصيرة | تبّا لها عروبة…هذه أعراضها..!/ أ.د. عبد الرزاق قسوم

تبّا لها عروبة…هذه أعراضها..!/ أ.د. عبد الرزاق قسوم

إن من علامات قيام ساعة أمتنا العربية “الخالدة”، أن يجرؤ على دوس كرامتها، وطمس هويتها، بل ومحو وجودها، أراذل القوم..!

وإن من أعراض سقوط مجد أمتنا الإسلامية “الشاهدة”، أن يضرب مواطنَ العزة فيها، ويسوم أبناءها، الذل والهوان رعاع قوم، لا تاريخ ولا كينونة حضارية لهم.

ألا تبّا لها من عروبة هذه أعراضها، وسحقا لها من إسلاموية هذه أمراضها…فما يحدث على ساحة غزة، والمسجد الأقصى، وفلسطين عموما، من تجديد للنكبة، وتدجين للنخبة، وانقضاض على الوثبة، إن هو إلا نذير شؤم، ونعي بوم، لما يعانيه القوم.

استضعفوك، فوصفوك! وهل كان يمكن أن يحدث ما حدث من فصول صفقة القرن، وزرع لكل مشاهد الحزن، والاستئثار بقتل الطفل، والشيخ، والمرأة من أبناء شعبنا في فلسطين في كل زاوية وركن، لولا الهوان النفسي الذي استبد بالحاكم والمحكوم، وما لبسهم من خَوَرٍ وجُبن؟

أبعد كل هذا الهوان من هوان؟ وبعد كل هذا الانهزام، والانكسار، ما هو أنكى في هذا الزمان، وهذا الأوان؟

ماذا دهى أمتنا، حتى رانت على قلوب أبنائها هذه الخيانة العظمى، التي لا ندري أسبابها؟

وهذه الانهزامية الكبرى، التي بدأت بعليّي الأمة وأربابها؟.

أمن ضعف في الإمكانيات المادية، ونحن أغنى بلاد الله في العالم؟ أم هل هو الخواء العقلي، والنفسي؟ كيف ونحن بين أيدينا خير كلام يُتلى، وأفضل كتاب يُعلى؟

هل هو عقاب الله لنا، وماذا تساوي جرائمنا –مهما كبرت- أمام ما اقترفه ويقترفه الصهاينة عبر التاريخ، وضد الإنسانية قاطبة؟ وما قيمة جُرمنا أمام  من حرفتهم قتل الشعوب، وزرع الكروب في كل الأصقاع والدروب؟

إننا نتساءل، وبحرقة، وبألم وأسى، عن هذا الصمت المخزي، الذي عقد ألسنة حكامنا وزعمائنا، فأصابهم داء العي، فهم لا ينطقون، وقصور النظر فهم لا يبصرون؟

إن هول الفاجعة التي أحاطت بالقدس الشريف، ومسجده الأقصى، وتحدي كل عربي ومسلم بنقل السفارة الأمريكية في وضح النهار، وأمام كاميرات العالم، إن هو إلا إذلال للحكام العرب والمسلمين، الذين مولوا مشروع النقل، وتسليح القتل.

وإن كارثة النكبة الثانية، التي حلت بأبناء فلسطين، فسامتهم الخسف، والعسف، وكنا نمني النفس بأن مائة سنة من الاحتلال، كفيلة بإنضاج الحكام والشعوب معا، فإذا الهوة تزداد عمقا بين الحاكمين والمحكومين، والمعركة تزداد ضراوة بين أبناء فلسطين، وأعدائهم الصهاينة المحتلين.

أريد عاقلا يفسر لي ما يحدث في وطني العربي، وعالمي الإسلامي، من هذه التناقضات التي لا نجد لها تعليلا، ولا نقر لها تدليلا. لقد بوّأنا الله أفضل مكانة في الجغرافيا، ورزقنا سدانة البيت، والتاريخ، والفتيا، وجعلنا أمناء على خزائن الدين والدنيا، ومؤتمنين على مقدسات الله العليا، فكيف آل بنا الأمر، إلى هذه الدركات الدنيا؟

إن المعادلة، ليست من التعقيد، ولا من التركيب، بحيث يسهل حلها، فلو سألنا عهد التميمي أو أي طفل أو طفلة في فلسطين أو في الجزائر، أو غيرها من بلاد العالم، لأشار علينا بالحل، وهو في متناول الجميع.

ولو كان لهؤلاء الفتية من الأمر شيء، لطالبوا بصيام الحكام عن الكلام، الذين تقزمت كلماتهم أمام أعمال أعدائهم، وإسناد الزمام –في الأمر- إلى المقاومين من الأطفال الأبابيل، لفض النزاع والخصام.

ولو كان لهؤلاء الأطفال الأبابيل من الأمر شيء، لطالبوا مؤتمر التعاون الإسلامي وقمته المنشودة، أن يبدأوا بقطع العلاقات الدبلوماسية، مع كل من ينقل سفارته إلى القدس، وكل من يمد العدو الصهيوني بالمال والسلاح، والنفوذ، وأن يسحبوا الأموال العربية والإسلامية المودعة في البنوك الأمريكية، ويقطعوا كل أنواع العلاقات، والمفاوضات مع العدو الصهيوني، بدءا بمقاطعة بضائعه، وانتهاء بالقضاء على صنعائه، وصنائعه.

فماذا يمنع من تحقيق هذا المطلب الأبابيلي الشريف، أمام التحدي العنيف، والسخيف، الذي ما فتئ يطالعنا به هذا العدو الأجنبي اللفيف؟

فإن لم يفعل حكامنا، ولن يفعلوا، وإن لم يقدموا على الاستجابة للمقاومين من أبناء وبنات فلسطين، الذين يجودون في كل لحظة بدمائهم، وأبنائهم، إن لم يفعلوا هذا، فلينتظروا الدرس من المعلم الأول، الذي هو طفل الحجارة ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ ۚ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ ۚ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾[سورة البقرة/ الآية 74].

لقد طلع النهار، فأطفئوا القنديل..وما النهار إلا هذه الانتفاضة الغزاوية المقدسية المباركة، التي أقضت مضاجع الأعداء، وأقلقت وعي الأشقاء، وعذبت لا شعور العملاء والخونة الجبناء.

نريد للجميع أن يستيقظوا، فقد حَرُم النوم، وجاء زمن الصحوة واليقظة والنهوض، وإن نهر الشعوب الجارف، لا مجال لإيقافه، ولا لصده، إلا بالسير في موكبه، والمساهمة في توجيه مصبه.

نقول لأبناء غزة، وأبناء القدس، وكل أبناء مليونية العودة، صبراً، صبراً، يا آل العودة، فإن جهادكم مبارك، إن شاء الله، وما ضاع حق وراءه طالب؛ وإن مصيركم جنة فلسطين، قبل جنة النعيم ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾[سورة آل عمران/ الآية 139].

ونقول لقادتنا، وزعماء أمتنا، حذار أن يجرفكم التيار، تيار الجماهير الغاضبة، وخير لكم أن تنخرطوا في المسيرة، وأن تقودوها، وأن تجعلوا  من أنفسكم وقودا لها، فلا عذر لأحد كي يتخلف عن المعركة المصيرية، باسم العروبة، وباسم الإسلام، وباسم الإنسانية في نبل قيمها ومبادئها.

فإذا لم نكن كذلك، فسيسوق التاريخ كل المتقاعسين، والمذبذبين، والمخلفين، إلى ساحة العدم.

وسيسجل التاريخ بعدها، مقولة لا نرضاها: “ألا تبا لها من عروبة، هذه أعراضها، وهذه أمراضها!”.

 

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

القول المدروس في تهافت دعاوى الشيخ فركوس/أ.د. عبد الرزاق قسوم

ما كنت أحسبني، أحيا إلى زمن، أُظطر فيه إلى التردي في هذا الدرك الأسفل من …