الرئيسية | قضايا و آراء | من هم أهل السنة والجماعة؟ (1)/ علي حليتيم

من هم أهل السنة والجماعة؟ (1)/ علي حليتيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

فقد أنزل الله عز وجل على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم آية في حجة الوداع، يعلن فيها أن الدين اكتمل، وأن الرسالة قد بُلّغت في الجملة والتفصيل، وأن كل ما سيطرأ بعد ذلك على الإسلام من اجتهاد أو شرح أو استنباط هو من الدين بمنزلة الفرع من الأصل، والورقة من الجذع، مهما علا شأن قائله في دين الإسلام حتى يسد على الناس مسد الهوى والزيغ الذي وقع فيه أهل الكتاب من قبلنا، كما قال المولى عز وجل: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ* صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} [الفاتحة: 6/ 7].

قال مالك” (مَنِ ابْتَدَعَ فِي الْإِسْلَامِ بِدْعَةً يَرَاهَا حَسَنَةً، فقد زَعَمَ أَنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَانَ الرِّسَالَةَ، لِأَنَّ اللَّهَ يَقُولُ: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} [المائدة: 3]، فَمَا لَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ دِينًا، فَلَا يَكُونُ الْيَوْمَ دِينًا). [الاعتصام للشاطبي، ص: ٤٩].

واختلف الصحابة رضي الله عنهم بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسائل كثيرة حول دفن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وميراثه، وقتال أهل الردة، وبعث أسامة وتعيين الخليفة وغيرها؛ لكنهم كانوا أمة واحدة، وجماعة واحدة، يرون أن اجتماعهم – رغم الخلاف – هو المقصد الأعظم من هذا الدين بعد توحيد الله عز وجل. بل لا يتم أحدهما إلا بالآخر كما قال المولى عز وجل” {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ} [الأنعام: ١٥٩]. فكانوا على ذلك في خلافة الشيخين أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما، وصدرا من خلافة عثمان بن عفان رضي الله عنه، ثم اتسع الخرق، وظهر الخلاف للعلن، وبدا واضحا أن بعض الجماعات تريد أن تنسلخ عن الجماعة الأم، وتبرأ منها، وهو ما حدث بعد مقتل الخليفة عثمان بن عفان رضي  الله عنه وأرضاه.

لكن الفرق والجماعات التي ظهرت كانت على ضربين:

جماعات أصل خلافها مسائل ترجع إلى قضايا سياسية، كالمطالبة بدم عثمان رضي الله عنه، وكما اختلف الحسين رضي الله عنه مع معاوية بن أبي سفيان في الأحق بالخلافة، وهذا خلاف داخل جماعة المسلمين.

أما النوع الثاني من الجماعات فهي فرق اتخذت من مفارقة المسلمين عقيدة ومنهجا، وهي فرقة الخوارج التي حكمت على جماعة المسلمين بعد الخلاف الذي وقع زمن علي ومعاوية بالكفر والردة عن دين الإسلام، واستحلوا دماءهم وأموالهم وسبي نسائهم وقتل ذريتهم؛ وفرقة الشيعة التي ظهرت في أهل العراق الذين خذلوا الحسين رضي الله عنه، ثم ندموا ندما شديدا بعد مقتله، فجاءهم من رفع لهم رايات الثأر، وتحول التشيع إلى عقيدة مخالفة للجماعة فكرا وسلوكا، بعدما كان وجهة نظر داخل الجماعة الواحدة.

والمقصود أن سائر الفرق وجدت لتعارض جماعة المسلمين في عقيدتها واجتماعها، ومن ثم سمي العام الذي تنازل فيه الحسن بن علي رضي الله عنه عن الخلافة لمعاوية بن أبي سفيان عام الجماعة، وهو – أي الحسن- الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: (إن ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين) [أخرجه البخاري]، فكان هذا الحديث علما من أعلام النبوة، ودل على أن مطلب اجتماع المسلمين يعلو على غيره من المطالب التي يختلفون فيها.

لكن بعض الصحابة لم يرضهم الوضع الجديد الذي آل إليه المسلمون، فخرجوا على الحاكم يطالبون بخلعه وإقامة من هو أولى بذلك منه، أو بإصلاح الفساد والظلم الذي وقع على آل بيت النبوة بعد مقتل الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فخرج عبد الله بن الزبير، ومعه أهل الحجاز كلهم أو جلهم، وما سموا خوارج والحجاز هو بيضة الإسلام، وأرض الحرمين، وخرج الحسين رضي الله عنه في العراق كما تقدم.

وهكذا فإن التسمية بالسنة وبالجماعة قد ظهرت على استحياء بعد ظهور الفرق لما دعت الحاجة لتمييز جماعة المسلمين التي بقيت على الأصل الأول الذي تركه عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة من بعده؛ إذ أن التسمية بالمسلمين لم تعد تصلح، والمخالفون لهم من أهل الفرق مسلمون في عمومهم فسموا بأهل السنة لأنهم يتمسكون بالطريقة الأولى للنبي صلى الله عليه وسلم والشيخين من بعده؛ والسُّنَّةُ لغة: هي الطريقة سواء كانت حسنة أم سيئة. وفي الحديث (فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا ، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضّوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة) [أخرجه أبو داود والترمذي] وقال: حديث حسن صحيح، قال ابن رجب في شرح هذا الحديث: (والسنة هي الطريق المسلوك فيشمل ذلك التمسك بما كان عليه هو وخلفاؤه الراشدون من الاعتقادات والأعمال والأقوال، وهذه هي السنة الكاملة، ولهذا كان السلف قديما لا يطلقون اسم السنة إلا على ما يشمل ذلك كله، وروي معنى ذلك عن الحسن والأوزاعي والفضيل بن عياض، وكثير من العلماء المتأخرين يخص اسم السنة بما يتعلق بالاعتقاد) [جامع العلوم والحكم ص ٢٠٠]، وهم يتمسكون بالجماعة وهي أمة الإسلام في عمومها التي تدين بدين الإسلام قبل أن تشوبه الشوائب فمن تمسك بوحدة الجماعة وأصول الدين: القرآن والحديث، ووالى الصحابة فهو من أهل السنة والجماعة، ومن فارق هذه الأصول فقد فارق الجماعة، ولذلك قال مالك لما سئل عن أهل السنة: (أهل السنة الذين ليس لهم لقب يعرفون به، لا جهمي، ولا قدري، ولا رافضي). [خرّجه ابن عبد البر في الانتقاء في فضائل الثلاثة الأئمة الفقهاء ص٣٥] يعني أن أهل السنة ليس لهم اسم ينتسبون إليه سوى الإسلام لبقائهم على الأصل الأول بخلاف أهل البدع الذين يتسمّون ببدعتهم.

فأهل السنة هم الذين يتبعون طريقة النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة من بعده في فهم الدين والعمل به، دون غلو أو شذوذ أو تطرف، ولا يضربون نصوص الوحي بعضها ببعض، ويعلمون أن للدين مقاصد وأهدافا، ويعملون لها، ويرجعون في الخلاف إلى الوحي وفهوم الصحابة، وأقوال العلماء الذين هم ورثة النبوة، ويحافظون على وحدة الأمة ما أمكنهم ذلك لا يبغونها العنت ولا الفتنة؛ وليست السنة بمعنى السنن التي هي في مقابل الواجب كما يظن بعض المعاصرين.

وسموا باسم الجماعة كذلك لأنهم سلموا من تكفير بعضهم بعضاً فـ: «أهل السنة لا يكفر بعضهم بعضاً، وليس بينهم خلاف يوجب التبرؤ والتكفير، فهم إذاً أهل الجماعة القائمون بالحق، والله تعالى يحفظ الحق وأهله، فلا يقعون في تنابذ وتناقض، وليس فريقا من فرق المخالفين إلا وفيهم تكفير بعضهم لبعض، وتبرؤ بعضهم من بعض كالخوارج والروافض والقدرية؛ حتى اجتمع سبعة منهم في مجلس واحد فافترقوا عن تكفير بعضهم بعضاً» [الفرق بين الفرق للبغدادي، ص: ٣٦١]

وسمي أهل الفرق مبتدعة لأنهم أحدثوا في الدين ما ليس منه، فالقول بالقدر بدعة، والقول بقول الجهم بدعة، ومذهب المعتزلة بدعة، لأنهم أحدثوا أصولا جعلوا يرجعون إليها، ويحكمون بها على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وهي: (التوحيد والعدل والوعد والوعيد والمنزلة بين المنزلتين والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)، وقس على ذلك تجد أن كل فرقة من الفرق التي نابذت أهل السنة والجماعة قد أحدثت أصلا ترجع إليه ما كان يعرف في زمان النبوة، أو تخلت عن أصل من أصول الدين كان معروفا زمن النبوة، فأصل العمل في الدين مثلا، والجزاء عليه مما ليس بحاجة إلى بيان في القرآن والسنة، بل القرآن والسنة مدارهما على هذا وهو الغاية من بعثة الرسل وإنزال الكتب، فجاء المرجئة ليقولوا إنه لا يضر مع الإيمان معصية، كما لا ينفع مع الكفر طاعة، وبذلك فارقوا السُّنَّة.

فعرفنا من هذا أن أهل السنة والجماعة ليست جماعة من الجماعات، وإنما هي أمة الإسلام كلها التي تؤمن بأركان الإيمان، وتقر بأركان الإسلام عالمها وجاهلها، وتقيها وفاسقها، وصغيرها وكبيرها، حتى لو لم يعرفوا معنى أهل السنة والجماعة، ولم يسمعوا به لكفاهم أنهم مسلمون يؤمنون برسول الله، وبما أنزل إليه من ربه، ولولا الفرق واختلاط الأمور لما كنا بحاجة لهذا الاسم، ولو كنا بحاجة إليه لذكره الله في كتابه، ولكن الله سمانا المسلمين في القرآن، وكفى به شرفا واسما، كما قال عز وجل: {هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ} [الحج: ٧٨].

وقال عز من قائل: {وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ ۚ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا ۖ وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ* إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ ۖ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [البقرة: ١٣٠- ١٣١].

ولكن الإسلام هو دين التحدي، والعلماء هم أرباب البيان الذين ينفون عن دين الله (تحريف الغالي، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين) [خرّجه البيهقي]، ويحافظون على الوحدة الفكرية للأمة كما كان يفعل النبي صلى الله عليه وسلم الذي حافظ على جماعة الإسلام في وجه التحديات التي كانت لا تكف في زمنه، يرفعها المنافقون والمرجفون والمشككون والأعراب الجاهلون، وأهل الأهواء والعصبية لأقوامهم وأديانهم القديمة، وكذلك فعل الخلفاء من بعده في فتن الردة وغيرها. وأبى عثمان رضي الله عنه أن يقاتل الأحزاب الذين حاصروه في داره، كما أبى أن يتنازل لهم عن الخلافة حتى قُتل، فتركها سنة رضي الله عنه: ألا يقتل الحاكم من خرج عليه ما استطاع إلى ذلك سبيلا وألا يتنازل إلا إذا خلعته الأمة. ثم جاء علي رضي الله عنه، وفي زمنه عظم خطر الخوارج، وكادوا يعصفون بدولة الخلافة، فكان يقاتلهم تارة، ويحاورهم أخرى حسب مزاجهم، لكنه لا يبدؤهم بالقتال كما قال رضي الله عنه: (لهم علينا ثلاث: ألا نبدأهم بقتال ما لم يقاتلونا، وألا نمنعهم مساجد الله أن يذكروا فيه اسمه، وألا نحرمهم من الفيء ما دامت أيديهم مع أيدينا) [خرّجه ابن أبي شيبة في المصنف].

وقد كان العلماء على نهج الصحابة رضي الله عنهم يبنون الدين، ويردُّون على أهل الغواية والزيغ الذين زاد شرهم بعد عصر الصحابة، فظهرت الزندقة والوضع في الحديث، وانتشرت الشعوبية، واستعلت الفرق القديمة، وانقسمت عل نفسها إلى فرق كثيرة، وظهرت فرق جديدة لم تكن معروفة من قبل، فاحتاج العلماء إلى بيان أصول أهل السنة والجماعة حتى يميزوهم عن غيرهم، فكانت أصولهم هي ذات الأصول التي جحدتها الفرق أو حرفتها، وقد يجعلون من أصولهم ترك بعض العلامات التي تتميز بها الفرق الأخرى؛ وقد يجعلون من أصولهم فروعا في الفقه لا على أنها أصولا بحد ذاتها، لكنها كانت تميزهم عن غيرهم كما قال أبو حنيفة النعمان رضي الله عنه: (الجماعة أن تفضِّل أبا بكر وعمر وعليًّا وعثمان، ولا تنتقص أحدًا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا تكفِّر الناس بالذنوب، وتصلي على من يقول: لا إله إلا الله، وخَلْف من قال: لا إله إلا الله، وتمسح على الخفَّين، وتفوِّض الأمر إلى الله، وتدَعَ النطق في الله جل جلاله). [“الانتقاء” لابن عبد البر، ص: 166]، فجعل المسح على الخفين من أصولهم لما فيه من مخالفة للخوارج.

عن المحرر

شاهد أيضاً

رأي في حريــــة الفكـــــر والـمعتقــــد

د/ عاشور توامة/ أعتقد بأن الاختلاف رحمة كما هو وارد في المعتقد الديني والمنظومة الاجتماعية، …