الرئيسية | قضايا و آراء | قضيتنا ليست القدس وحدها..! بل فلسطين كلها…!/ محمد العلمي السائحي

قضيتنا ليست القدس وحدها..! بل فلسطين كلها…!/ محمد العلمي السائحي

صدم الفلسطينيين خاصة، وأحرار العرب عامة، من اعتراف ترامب بالقدس عاصمة لإسرائيل، ونقله سفارة بلاده إليها، ورأوا في ذلك تصفية للقضية الفلسطينية، واندهشوا للهجوم الذي أصاب العالم، وحال بينه وبين ما كان ينبغي له أن يبديه من احتجاج على هذه القرار الأمريكي، ظنا منهم أن هذه الخطوة التي خطاها ترامب هي من مبادراته الخاصة به، متناسين تماما أنه نفذ قانونا أقره الكونغرس الأمريكي منذ عقود، ومتناسين أن القدس شكلت دوما هدفا رئيسا للصهاينة، وأنهم كانوا ولا يزالون يسعون لوضع يدهم عليها كاملة، لكونها تشكل لهم مرتكزا تاريخيا ودينيا ـ فيما يزعمون ـ وأنهم لأجل ذلك وظفوا نفوذهم في أمريكا والفاتيكان لتحقيقه، وهل كان يتصور أنه كان يمكن أن يوافق نصارى العالم لليهود الذين كانوا يتهمونهم بصلب المسيح عيسى عليه السلام أن يستحوذوا على القدس ويصيروها عاصمة لهم، لو لم تبذل جهود كثيفة وحثيثة طيلة عقود لتبرئة اليهود أولا من تلك التهمة التي طالما تعرضوا بسببها للاضطهاد المسيحي في العالم وعانوا منها الأمرين إلى أن برأهم منها المجمع الفاتيكاني الثاني فيما بين سنتي 1962م ـ 1965م، ثم أكد هذه التبرئة بابا الفاتيكان، البابا بنديكت السادس عشر في كتابه: “ياسوع الناصري” الذي صدر له في إبريل 2012م.

ثم إن مما مهد لنقل السفارة الأمريكية إلى القدس وتمكين إسرائيل من اتخاذها عاصمة لها اليوم، هو تنازل الفلسطينيين ومن ورائهم العرب عن المطالبة بكامل فلسطين من النهر إلى البحر، وقصر مطالبتهم على الأراضي المحتلة بعد عام 1967م. وذلك في إطار المبادرة العربي التي تقدم بها ولي العهد السعودي عبد الله بن عبد العزيز سنة 2000م، والتي ترتكز على مبدأ الأرض مقابل السلام، والتي جاء فيها أنه إذا قبلت إسرائيل بقيام دولة فلسطينية على الأراضي المحتلة عام 1967م وعاصمتها القدس الشرقية، وأجلت عن الجولان يقيم العرب علاقات طبيعية مع إسرائيل، وبذلك تم في ذلك الوقت التنازل عن جزء من القدس لإسرائيل وهو الجزء الغربي منها.

والحقيقة التي ينبغي أن لا نغفل عنها، هي أن القدس لا قيمة لها من دون فلسطين كاملة، كما أن فلسطين لا معنى لها من غير القدس، وأن السبب الفعلي لضياع القدس من بين أيدينا اليوم، هو قبولنا بمنطق التقسيم والتجزئة الذي فرضه علينا العدو، فأجبرنا على أن ننظر إلى قضية القدس، باعتبارها قضية منفصلة عن قضية فلسطين الكبرى.

ولعل مما فتّ في عضد إخواننا الفلسطينيين وجرّأ ترامب وغيره عليهم، هو تفرق العرب والمسلمين من حولهم، ورفض بعض الأجنحة الفلسطينية لتدخل بعض الدول العربية في شؤونهم ما جعلهم يعتقدون ـ إن صدقا أو كذبا ـ بأن بعض العرب يتاجر بقضيتهم، مما حملهم على المطالبة بترك قضية فلسطين للفلسطينيين وحدهم، يديرونها كيفما شاءوا، وذلك في حقيقته كان اختراقا للصف الفلسطيني من قبل العدو، لحمل الدول العربية والإسلامية على نفض يدها من القضية الفلسطينية نهائيا، وذلك ما حدث بالفعل، وانجر عنه فيما بعد، لا مجرد توقف الدعم المادي والمالي والسياسي للفلسطينيين فحسب، بل تعداه إلى التآمر على القضية الفلسطينية ذاتها، حتى بلغ الأمر حد التطبيع مع إسرائيل جهارا نهارا، وبات التعامل مع إسرائيل، كالتعامل مع أي دولة شقيقة أو صديقة.

وكأن ذلك لم يكف إذا بالانقسام الفلسطيني – الفلسطيني يتكرس على الأرض، وتغدو رام الله مناهضة لغزة، ومحمود عباس عدوا لإسماعيل هنية، وكأن الاثنتين ليستا جزءا من فلسطين الكبرى، ولكأن الرجلين يمثلان شعبين مختلفين لا شعبا واحدا هو الشعب الفلسطيني.

إن نصرة القدس لا تكون بالدفاع عن القدس وحدها، بل بالدفاع عن فلسطين كلها، فالقدس على مالها من شرف وتاريخ وقدسية ومكانة، هي جزء من فلسطين ومدينة واحدة من مدنها، ورحم الله العلامة الشيخ محمد البشير الإبراهيمي الذي نبه إلى ذلك وأكد عليه في قوله: (إن اليهود بنوا أمرهم على كلمة، وهم واصلون إلى تطبيقها ما دمنا على هذه الحالة، فلنبني نحن أمرنا على عكسها، إن كنا رجالا، ونعمل على تحقيقه متساندين. هم يقولون لا معنى لفلسطين بدون القدس، ولا معنى للقدس بدون الهيكل المطمور تحت الأقصى، فلنعكس نحن لهم القضية ما دامت الأقدار أوقفتنا منهم هذا الموقف ولنقلها صريحة مجلجلة يفسره العمل: لا فائدة لنا في الصخرة والأقصى بدون القدس، ولا فائدة لنا من القدس بدون فلسطين فالثلاثة واحد، وليس الواحد ثلاثة، فإذا قبلنا هذا وقررناه بالتصميم، وعرف اليهود تصميمنا أقلعوا عن غيهم وقالوا ما قال أسلافهم: إن فيها قوما جبارين).

 

 

 

 

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

مرحبا بالمطهر

مداني حديبي/ مرحبا بالنبع الصافي والشلال المتدفق الذي يسقي أرواحا جفت وقلوبا عطشت ونفوسا ضمئت: …