الرئيسية | في رحاب الشريعة | فقه فريضة الصيام وفق مقاصد الحِكم والأحْكام/ محمد مكركب

فقه فريضة الصيام وفق مقاصد الحِكم والأحْكام/ محمد مكركب

صيام شهر رمضان فرض عين على كل مسلم ومسلمة من كل عام. وصِفات الوجوب: البلوغ، والعقل، والاستطاعة. قال الله تعالى:﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ﴾ فإذا ثبتت رؤية شهر رمضان، (وتثبت بشهادة شادين اثنين) وأعلن المفتي العام ثبوت الرؤية، وجب على المسلمين صيام الشهر. قال الله تعالى:﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ ولا يجوز صوم يوم الشك، ويجوز إثبات الرؤية بالمراصد الفلكية، أو بالحساب الفلكي. وشهر رمضان قد يكون تسعا وعشرين يوما، وقد يكون ثلاثين يوما. ومتى ثبتت رؤية الهلال في مدينة صام المسلمون كلهم.

والأفضل للبلدان العربية لقربها من بعضها أن تصوم وتفطر برؤية واحدة، ففي أي بلد رؤي الهلال أن يعمل بذلك في كل البلدان العربية، بأن يصوموا في يوم واحد ويفطروا في يوم واحد. وهذا هو المشروع والمطلوب والأصل. إلا أنه ما دام المسلمون منقسمين إلى دول، فقد يحدث تفاوت في يوم الصوم أو الفطر، بناء على جواز لكل بلد رؤيته. والله أعلم. إلا أنني لا أرى مسوغا ولا عذرا لتفرق واختلاف المسلمين في هذه المسألة، فكما يحجون في تاريخ واحد، وجب أن يصوموا في تاريخ واحد، لأن هذه مسائل فقهية شرعية تخضع لأحكام الشريعة، وليست مسائل دنيوية اجتهادية، فعلى الشعوب العربية أن تتوحد كما أمر الله تعالى، ففي الحديث:[صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ غُبِّيَ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلاَثِينَ] (البخاري.1909). والخطاب للمسلمين مجتمعين.

ومن فقه الصيام:

1 ـ  التوبة من الذنوب، وهذا عند الإقبال على كل عبادة كالقيام للصلاة، وقصد القيام بإخراج الزكاة وسائر الصدقات، والاستعداد لرحلة الحج، وهكذا، ففي الحديث:[ يَا أَيُّهَا النَّاسُ تُوبُوا إِلَى اللهِ، فَإِنِّي أَتُوبُ، فِي الْيَوْمِ إِلَيْهِ مِائَةَ، مَرَّةٍ] (مسلم.2702).

2 ـ تعيين نية الصوم قبل طلوع الفجر، من اليوم الأول من رمضان، ونية واحدة تكفي لكل رمضان، فإذا أفطر المسلم في يوم من شهر رمضان لعذر سفر أو مرض، ثم عاد إلى الصيام فعليه أن يجدد النية. عملا بالحديث:[ إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى] (البخاري:1).

والصيام يقوم على ركنيين أساسيين: النية قبل طلوع الفجر، والإمساك من طلوع الفجر إلى الغروب. ومن نوى بعد الغروب من ليلة أول رمضان ونام ولم يستيقظ حتى طلع الفجر، وصام فصومه صحيح. والله أعلم.

3 ـ  وأن يكون الصوم إيمانا واحتسابا، يصوم المؤمن إيمانا بأن الله تعالى أمره، وأن الصوم عبادة يقوم بها لله تعالى، وأن هذه الفريضة (فريضة الصيام) من الدين، وأنها ركن من أركان الإسلام. واحتسابا، أي يحتسب الأجر عند الله تعالى، وهكذا في كل العبادات. عملا بقول الله تعالى:﴿قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ(الأنعام:162/163).

4 ـ إذا صام المسلم في بلد وسافر في آخر رمضان إلى بلد آخر فيتبع أهل البلد الذي سافر إليه، أي أن حكم الصيام عليه كحكم أهل البلد الذي هو فيه. لا يفطر حتى يفطرون، فعيده عيدهم.

5 ـ الحائض والنفساء، يحرم عليهما الصوم، إذا حاضت المرأة في أيام رمضان لا يجوز لها أن تصوم، وتقضي تلك الأيام بعد رمضان، وكذلك النفساء، لا تصوم، وعندما تطهر تقضي تلك الأيام.

5 ـ الحامل والمرضع إن شق عليهما الصوم وخافتا على أنفسهما أو ولديهما، أفطرتا ثم قضتا بعد رمضان.

6 ـ المسافر في رمضان إن استطاع الصوم صام، وصيامه صحيح والأجر كامل كالمقيم، ومن شق عليه الصيام في السفر جاز له الفطر ويقضي بعد رمضان، وكذلك من كان مريضا يفطر ويقضي، عملا بقول الله تعالى:﴿وَمَنْ كانَ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ﴾ ولا فرق في السفر بين من يسافر على الدابة أو السيارة أو الطائرة أو الباخرة، فالكل حكم واحد، إن سافر أكثر من مسافة واحد وثمانين كيلومترا في البر أو في البحر أو الجو. والمسافر إن شق عليه الصوم يبدأ الفطر عندما يخرج من حدود قريته، أي عندما يبدأ قصر الصلاة، وإذا عاد من سفره ودخل قريته نهارا وهو مفطر، يبقى على فطره نهاره ذلك، وينوي الصوم من غد. والله أعلم.

7 ـ المسنون، والعاجزون عن الصوم كالمرضى بالأمراض المزمنة، يفطرون ويطعمون عن كل يوم مسكينا بمقدار نصف صاع، وأقله مد. قال الله تعالى:﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ وإن أطعم عن كل يوم من رمضان مسكينا، في اليوم الذي يفطره، فهو صحيح، وإن أخر إلى آخر يوم من رمضان ويطعم عن كل الأيام فله ذلك، وهو صحيح، والله أعلم.

8 ـ من بلغ من الكبر حد الخرف وفقد القدرة العقلية بحيث لا يدري ما يفعل، فلا صيام عليه، ولا كفارة، لأن العقل من موجبات العبادات.

9 ـ من  نام نهار رمضان واحتلم، فلا يفسد صومه، وعليه أن يغتسل للصلاة.

ما هو حكم من ترك ركنا من أركان الإسلام  وهو مستطيع، كالصلاة، أو الزكاة، أو الصيام، أو الحج؟

من ترك ركنا جاحدا منكرا مكذبا بوجوب الفريضة بعد أن بُلِّغ الحكم بالركنية والفرضية، فهو كراد لحكم من الشريعة، يكفر بذلك وأمره إلى الله تعالى والله يحكم ولا معقب لحكمه. ومن ترك فريضة تهاونا وكسلا، فقد فسق وارتكب إثما عظيما، وأمره إلى الله تعالى، والله تعالى أعلم.

ويجوز للمرأة استعمال الحبوب المانعة للحيض في رمضان أو للإحرام بالحج أو العمرة، إذا استشارت الطبيبة بأن تلك الحبوب لا تضر بصحتها.

واستخراج الدم للتحليل لا يفسد الصوم، وكذا الإبر كلها، إلا إبر التغذية، وكذا الحجامة لا تفسد الصوم، فعن ابن عباس رضي الله عنهما:[ أن النبي صلى الله عليه وسلم، احتجم وهو محرم، واحتجم وهو صائم](البخاري.1938) وأما غسيل الكلى فمفسد للصوم.

وبما أنه لا يجوز صومُ يومِ الشك، اليوم التاسع والعشرين أو اليوم الثلاثين من شعبان، فهل من كان يصوم لقضاء دين عليه أو نذر، يحرم عليه صوم اليوم الأخير من شعبان؟ الجواب: يجوز لمن عليه صوم أن يستمر في الصيام  إلى آخر شعبان، إنما النهي عن الذي يصوم بنية الشك، في أن الأخير من شعبان قد يكون أول رمضان حتى يتوافق معه، ففي الحديث الشريف:[ لَا تَقَدَّمُوا رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ وَلَا يَوْمَيْنِ إِلَّا رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ صَوْمًا، فَلْيَصُمْهُ](مسلم.1082).

هل من أفطر ناسيا، عليه القضاء؟

إذا  أفطر الصائم  في نهار رمضان (أكل أو شرب) ناسيا فلا إثم عليه فيما أكل أو شرب، فلا ينقص ذلك من أجر صومه، ففي الحديث:[ إِذَا نَسِيَ فَأَكَلَ وَشَرِبَ، فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ، فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللهُ وَسَقَاهُ] (البخاري:1933) وأُرَجِّح أنه لا يجب عليه القضاء. والله تعالى أعلم. قال الله تعالى:﴿ لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَها لَها مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنا لَا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا﴾. وفي الحديث:[ إِنَّ اللهَ قَدْ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ، وَالنِّسْيَانَ، وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ] (ابن ماجة:2043).

ومن نصائح البداية للاستعداد لصيام رمضان:

1 ـ الحرص على المحافظة على الصلاة في وقتها وهذا بالطبع ليس في رمضان فقط.

2 ـ القيام للسحور بنية السنة وزيادة في النشاط ففي الحديث:[ تَسَحَّرُوا فَإِنَّ فِي السَّحُورِ بَرَكَةً]. وفي حديث آخر:[ فَصْلُ مَا بَيْنَ صِيَامِنَا وَصِيَامِ أَهْلِ الْكِتَابِ، أَكْلَةُ السَّحَرِ] (مسلم.1096).

3 ـ قيام الليل بصلاة التراويح لمن استطاع ففي ذلك أجر.

4 ـ من استطاع أن يتصدق ولو بالقليل، أو يطعم الصائمين.

5 ـ أداء الواجب الوظيفي.

6 ـ صوم الجوارح.

7 ـ إن الإصرار على مقاطعة المؤمنين واتهامهم بغير الإيمان فسوق وعصيان وجريمة شيطان، وذلك مخالف للصيام وآداب رمضان.

8 ـ من سمع أذان الفجر الذي يدل على دخول وقت صلاة الفجر (أي الأذان الثاني) أذان الوقت، وجب عليه الإمساك، ولا يجوز له الاجتهاد الفردي بأن يفتي لنفسه أن وقت الفجر لم يحن، كما يفعل المتنطعون المخطئون، فإذا أعلن مؤذن المسجد عن وقت الفجر لزم الجميع. والله تعالى أعلم، وهو العليم الحكيم. ففي الحديث:[ كُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ، فَإِنَّهُ لاَ يُؤَذِّنُ حَتَّى يَطْلُعَ الفَجْرُ] (البخاري1918). بالضبط مثلما لا يجوز الإفطار مساء قبل الغروب، حتى يؤذن المؤذن معلنا دخول وقت الغروب .

 

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

واقــــــــــع تعـــــدد الآراء بين اجتهــــاد الحكماء وفقــــه الفقهاء

الشيخ محمد مكركب أبران/ إشكالية هذا المقال هي: استفحال الخلاف والاختلاف بين المؤمنين، وكثير منهم …