الرئيسية | اتجاهات | السلم في خطر.. “ترامب”… أمريكا تقرر..! / أ. محمد الحسن أكيلال

السلم في خطر.. “ترامب”… أمريكا تقرر..! / أ. محمد الحسن أكيلال

منذ ما يربو عن السنتين أو أكثر تأكدت أغلبية دول العالم المهتمة بما يجري في الشرق الأوسط عامة، وفي فلسطين خاصة بن مأن أن ما حدث في العراق ثم في سوريا ما هو إلاّ مخطط جهنمي جديد قام بصياغته أخصائيون كثر؛ وهم موظفون في مراكز الدراسات الإستراتيجية الأمريكية والبريطانية والإسرائيلية، برعاية وإشراف المحافظين الجدد، واللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة الأمريكية.

إن جريمة تدمير العراق بالشكل البشع الذي اقترفت به وما تلاها من صمت رهيب حولها، وعدم ارتفاع أي صوت مدافع عن القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، بل أكثر من هذا تفاجأ العالم بحركة تضامن قوي للدول الغربية الاستعمارية مع أمريكا إلى درجة الدخول معها في تحالف عسكري جيشت له أساطيل البحر والجو بكل ترساناتها الصاروخية المدمرة.

إن دولة كبريطانيا لم تر بدا من اتخاذ قرار الانسحاب من الاتحاد الأوروبي بمجرد اطلاعها على الإشارات الأولى الموحية ببدايات تفهم بعض دول القارة للحق الفلسطيني مقابل الجبروت والعجرفة الصهيونية في الأراضي المحتلة وخاصة في تعاملها مع المفاوض الفلسطيني لأكثر من عقدين من الزمن، ظهر في الأخير أن الصهاينة ومن ورائهم أمريكا استغلوا تلك المفاوضات للتغطية على عملية التوسع الجغرافي والديمغرافي على حساب صاحب الأرض الحقيقي بريطانيا التي تعتبر نفسها الأم الحقيقية لدول الكيان الصهيوني وجدت نفسها مرغمة على اتخاذ الخطوات الاحتياطية لمساندة أمريكا أختها الكبرى التي أصبحت وحيدة في موقفها المبدئي المتشبث بهذه الدولة المارقة التي لا تعترف إلاّ بحقها باحتلال كل أرض فلسطين وهضبة الجولان السورية وفرض نفسها كقوة إقليمية لا تضاهي ولا تنافس للسيطرة على كل المنطقة بقوة الحديد والنار؛ وللحقيقة فإن هذا الحق منح لها منذ اليوم الأول من ولادتها القسرية القيصرية في عام 1917م بمسودة قرار دبلوماسي صهيوني بريطاني هو: “بلفور”.

البعض تجاهل أو تناسى دور بريطانيا في كل الأحداث منذ بداية القرن الماضي إلى اليوم، مرورا بأهم وأخطر حدث هو غزو العراق وتدميره وتفتيته بموازاة دورها في الرباعية الراعية للمفاوضات الإسرائيلية الفلسطينية التي انتهت بتعيين “توني بلير” رئيس الحكومة السابق مكلفا بالوساطة بين الوفدين المفاوضين بعد وصول العملية إلى الطريق المسدود بسبب التعنت  الإسرائيلي.

لقد حاولت الإدارة الفرنسية في عهد الرئيس اليساري السابق “هولاند” أن يسعى لعقد مؤتمر دولي للسلام في الشرق الأوسط، والأكيد أنه اجتهد لإنجاح هذا المسعى، علما أنه لم يكن ينوي إطلاقا الوقوف أمام أطماع وطموحات رئيس الحكومة الإسرائيلية، فهو يدرك أن ذلك يتناقض كل التناقض مع جهود بلاده للحفاظ على قوة التحالف الغربي سواء داخل الحلف الأطلسي أو فيما يتعلق بصميم الإستراتيجية الغربية الاستعمارية القديمة المتجددة فيما يعني الشرق الأوسط كمجال حيوي مشترك لكل الدول الإمبريالية الغربية التي تتزعمها أمريكا حاليا. لم ينجح “فرانسوا هولاند” لأنه ببساطة واجه الثلاثي الإمبريالي البريطاني الأمريكي الإسرائيلي، لم ينعقد المؤتمر ولم يمنح الدولة الفلسطينية العضوية الكاملة في الأمم المتحدة، بل أصبحت فرنسا أهم الدول التي تتوسط لإسرائيل لدى السلطة الفلسطينية للتريث في تقديم طلبات الانضمام لكثير من الاتفاقيات والمعاهدات والمنظمات الدولية حتى لا تقترب فعلا من نيل عضوية الأمم المتحدة الكاملة.

حين وقعت اتفاقية “سايكس بيكو” عام 1916م لم تشرك روسيا القيصرية لا في الإعداد لها ولا في تنفيذها لأسباب أغلبها تتعلق بالأوضاع الداخلية التي كانت تعيشها هذه الإمبراطورية، وبتطور الأحداث فيها وانتصار البلاشفة وتأسيس الاتحاد السوفييتي ازدادت قناعات الدولتين الامبرياليتين (فرنسا وبريطانيا) رسوخا كما ازدادت عزيمتهما قوة في الاستحواذ على كل أراضي الشرق الأوسط المتمثلة في شبه الجزيرة العربية من أقصى جنوبها إلى أقصى شمالها على حدود الأناضول العثمانية، واتفقت الدولتان على تقسيم هذه الجغرافيا بالتراضي مع التوافق على تخصيص المساحة المقتطعة من بلاد الشام المتمثلة في أرض فلسطين والمحدودة بين نهر الأردن شرقا والبحر الأبيض المتوسط غربا والحدود التي وضعتاها لكل من سوريا ولبنان شمالا وحدود صحراء سيناء جنوبا، هذه المساحة خصصت سلفا لإقامة دولة ليهود العالم الذين بدأت بريطانيا في تهجيرهم منذ بداية القرن الماضي.

بتأسيس الجمعية العامة للأمم المتحدة خلفا لعصبة الأمم والاتفاق على ميثاقها وقوانينها وهيئاتها وعلى رأسها مجلس الأمن الدولي على أساس قيام هذا المنتظم بحماية السلم والأمن في العالم اعتمادا على توازن الرعب النووي بين الدول الغربية الثلاث الأعضاء أمريكا وبريطانيا وفرنسا من جهة وجمهوريات الاتحاد السوفييتي من جهة أخرى، علما أن هذا التوازن كان مختلا منذ البداية بين المعسكرين.

لم تمض على تأسيس الأمم المتحدة بصيغتها الجديدة سنتان حتى انفردت القوى الإمبريالية الغربية بتأسيس دولة للكيان الصهيوني في فلسطين التي كانت تحت الانتداب البريطاني، طبعا بقرار من الأمم المتحدة التي لا حول ولا قوة لها أمام الضغوط الكثيرة التي مارستها كل من فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية على الدول الأعضاء التي أغلبها كانت تحت الهيمنة البريطانية والفرنسية وخاصة الدول العربية منها، والتي كانت تعد على رؤوس الأصابع الخمسة.

إن تهديد السلم والأمن في العالم من طرف هذه القوى الإمبريالية لم يتوقف في يوم من الأيام، وخاصة حين بدأت حركات التحرر الوطني في الظهور في كل من آسيا ثم في إفريقيا، وقد بلغ خطر نشوب الحرب العالمية الثالثة أوجه في بداية ستينيات القرن الماضي فيما يعرف بأزمة “كوبا”.

لقد استمر الصراع بين الشرق والغرب بكل الوسائل إلى حين انتصار الغرب في تفكيك الاتحاد السوفييتي في أواخر ثمانينيات القرن الماضي.

لكن توجس هذا الغرب الإمبريالي لم يتوقف يوما من الخطر الآتي من الشرق، هذا التوجس ما انفك يزداد مع ازدياد قوة الصين الاقتصادية والتكنولوجية والعسكرية وبداية استعادة الاتحاد الروسي لعافيته الاقتصادية والعسكرية ما دفع بأمريكا إلى الاندفاع للانفراد بالسيطرة على العالم ومحاولة سد كل المنافذ التي يمكن أن تعود منها، وتظهر فيها قوتا الصين وروسيا لتضيق الدائرة مرة أخرى في منطقة الشرق الأوسط، وبالضبط بالقرب من دولة الكيان الصهيوني المتفق عليها بين الدول الغربية على أنها ستكون القوة الاقتصادية والتكنولوجية والعسكرية الوحيدة في المنطقة، وهذا يقتضي تدمير كل دولة عربية أو إسلامية يمكن أن تشكل خطرًا على وجود هذا الكيان الغريب على المنطقة، لذلك كان لا بد من التخلص من العراق و سوريا وإيران أولا ثم الشروع في عملية إعادة تقسيم للمنطقة تكون فيها حصة الأسد لدولة الكيان الصهيوني، علما أن هذا التقسيم سيطال كلا من المملكة العربية السعودية ومصر واليمن والسودان وإيران وتركيا.

هذه الحسابات لم تعد تكهنا ولا تنبؤًا فهي خطة موضوعة، وقد نشرتها أكثر من دار نشر وجريدة، وما عربدة        السيد “ترامب” هذه الأيام إلاّ لكونه شديد الثقة في نفسه وفي كونه الرئيس الأكثر جرأة لتنفيذ مخططات دولته -العميقة- بصفة خاصة؛ إنه يعي جيدًّا أنه يهدد السلم والأمن في العالم وهو لا يهمه إذا دمرت كل منطقة الشرق الأوسط وجزء من روسيا الاتحادية وكل خريطة الشرق الأدنى الممتدة من البحر الأبيض المتوسط ومضيق البوسفور إلى تخوم الهند.

كل هذا فقط لحماية دولة الكيان الصهيوني أو إبقاؤها الأقوى في كل المنطقة، على العالم أن يختار بالنسبة لأمريكا، إما الإذعان لمشيئتها وقراراتها أو الجحيم للجميع.

عن المحرر

شاهد أيضاً

هــــذا هــو البيـــت السعيـــد

عبد العزيز كحيل/ عند المسلمين الملتزمين بدينهم ليس البيت مجرد مأوى يتلاقى فيه أفراده للطعام …