الرئيسية | أقلام القراء | القدس .. وحقائق التاريخ الثابتة / د. إبراهيم نويري

القدس .. وحقائق التاريخ الثابتة / د. إبراهيم نويري

في منتصف هذا الشهر ماي 2018م تحل الذكرى (الــ: 70) على احتلال أرض فلسطين المباركة، هذه الأرض المقدّسة التي اختارها الله عز وجلّ قبلةً أولى للمسلمين، وعلى أديمها الطاهر كان معراج رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم إلى السماوات العُلى وإلى سدرة المنتهى.

تحل هذه الذكرى التي وُصفت في الأدبيات العربية والإسلامية منذ عدة عقود بـذكرى “نكبة فلسطين”، لكن هذه المرة سوف تحلّ بطعم مختلف في ظلّ أوضاع ومتغيرات عميقة حزينة مؤسفة، فقد قررت أمريكا طليعة الاستعمار وخادمة الصهيونية ورمز الاستكبار والعنجهية والظلم، أن تنقل سفارتها من “تل أبيب” إلى “القدس” – عاصمة فلسطين الأبدية- وذلك يوم 15 ماي 2018م أي يوم الذكرى السبعين للنكبة، وقد تبعتها عدة دول كما جاء في بعض التقارير الإخبارية، مثل رومانيا وتشيكيا وهندوراس والباراغواي ودول أخرى أيضا قد تخطو الخطوة ذاتها.

لكن المشكلة الرئيسة تكمن في أمتنا أساساً وفي العرب خاصة، لأن من يهن يسهل الهوان عليه؛ ويبدو أنّ هذه المرحلة غير مسبوقة في تاريخ القضية الفلسطينية، لأن مصر وعدة دول عربية متغلّبة على إرادة شعوبها أخذت تعلن صراحة ودون أيّ تحفظات تخلّيها عن حق فلسطين والفلسطينيين في أرضهم وإقامة دولتهم المستقلة وعاصمتها القدس الشريف، بل أكثر من ذلك ذهب بعضُهم يدافع عن ” إسرائيل” وعن حقها في الوجود وفي الدفاع عن نفسها، وكأنها كانت موجودة قبل سبعين عاما؛ إنّ هذه المتغيرات غير المسبوقة تنذر بعواقب شديدة الخطورة؛ إذ كيف يستسيغ المواطن العربي والإنسان المسلم دفاع أنظمة عربية عن كيان صهيوني محتل لأرض الإسراء و المعراج ؟!

مما لا شكّ فيه أنّ هذه “المفارقة البائسة” سوف توسّع الهوّة والجفوة أكثر فأكثر بين الشعوب العربية وبين حكّام التغلّب والقهر -كما يطلق عليهم الفقهاء- وفي ذلك خطر ماحق على استقرار الأوطان وتماسك الجبهات الداخلية لشعوبنا ووحدتها الوطنية.

ولا يسعنا في هذه الظروف العصيبة ونحن نتجرع مرارة هذا الواقع الأليم، في ظلال ذكرى النكبة، التي بدأ بعض حكام العرب يسميها مع كلّ أسف (ذكرى تأسيس إسرائيل) ويُشارك في بعض احتفالياتها كما حدث منذ أيام في قلب القاهرة وبجوار ميدان التحرير؛ إلاّ أن نذكّر بحقائق التاريخ، التي لا ينبغي أبداً أن تُنسى أو تُطوى أو يُهال عليها التراب؛ وأن نسجّل هذه الآهات الحزينة، مع علمنا أنّ أمتنا لن تموت ولن تَنسى، وسوف يتغير الواقع يوما لصالح هذه الأمة، فأملنا في الله كبير وفي طلائع النصر من أجيالنا الناشئة التي سوف تؤمن وتتمثّل أسباب النصر في منعطف ما من منعطفات التاريخ.

 القدس وذاكرة التاريخ:

إنّ كلّ من يدأب على قراءة التاريخ قراءة متأنية فاحصة دقيقة، مع تمهُّل وترسُّل وتسجيل للملاحظات التي قد تلوح من بين السطور في هذا الموضع أو ذاك، يتأكد له يقيناً بأن ما يُسمّى دولة “إسرائيل” تخشى التاريخ كثيراً وتعتبره عدوّها الأول؛ ولذلك فهي تسعى على الدوام لِهَرْطِهِ وتمزيق أوصاله وتحريف مستنداته؛ ولا ريب أنّ من ثوابتها الراسخة عند العجز عن بلوغ هدف من الأهداف اللجوء إلى الاغتيال والتصفية الجسدية، فذلك هو إرث الأجداد وتلك هي وصاياهم الموروثة منذ آماد بعيدة، فهؤلاء القوم قتلوا يوحنا المعمدان [يحي بن زكريا عليه السلام] وقتلوا أرمياء [أرمياء بن حلقياء من سبط هارون بن عمران من الأنبياء الذين لم يرد لهم ذكر في القرآن]. هذا النبي الذي ضاقوا به ذرعاً نتيجة كثرة توبيخاته وانتقاداته لهم، وما فعلوه بالسيد المسيح [عيسى بن مريم عليه السلام] معروف مبسوط في القرآن الكريم وفي كتب تاريخ الأنبياء ونحوها، وقد سجّل القرآن عنهم هذه السجيّة القاتمة في قوله تعالى: {لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا * كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَىٰ أَنفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ} [المائدة: 70].

وفي هذا العصر اغتالوا “اللورد موين” [1880م- 1944م] وزير المستعمرات البريطاني لأنه عارض أن تكون فلسطين أرضا مناسبة لجمع شتات اليهود، وهو أمر لا تهواه أنفسُهم، حيث دعا إلى البحث عن أرض أخرى غير أرض فلسطين. واغتالوا أيضا الدبلوماسي السويدي “الكونت فولك برنادوت” [1895م – 1948م] السكرتير العام للأمم المتحدة يوم السابع عشر من سبتمبر سنة 1948م، لأنه قدّم عدّة مقترحات إلى الأمم المتحدة كان من بينها التوصية ببقاء القدس بكاملها تحت السيادة العربية، كما تشير بعض الأوعية المعلوماتية إلى أنهم وراء اغتيال الرئيس الأمريكي جون كيندي [1917م- 1963م] بسبب معارضته المبدئية للبرنامج النووي لدولة الاحتلال؛ وأيضا لتعاونه مع جمال عبد الناصر لوضع برنامج متدرّج يفضي إلى حل الأزمة/ الكارثة الشرق أوسطية، التي تسبّبت فيها بريطانيا على أرض فلسطين. علماً أنّ هذه المعلومات كانت مُحاطة بسريّة استخباراتية أمريكية إلى أن تمّ الكشف عنها منذ وقت قريب جداً. ويمكن لأيّ قارئ متابع للأحداث التأكد منها من خلال شبكة المعلومات الدولية “الانترنت”.

وحسب الأستاذ الشيخ عبد الله التل صاحب الكتاب المشهور: الأفعى اليهودية في معاقل الإسلام فإنّ معظم الشرور والفتن والحروب والقلاقل والاغتيالات تقف خلفها – بصيغة معلومة أو مجهولة- الحركة الصّهيونية وأذرعها الأخطبوطية المنتشرة في كلّ مكان وفي كلّ دولة بأسماء ورايات وتنظيمات وهياكل خدمية وثقافية وفنيّة ورياضية، قد لا يتفطّن لها أحد، لأنها عادة تستغل الجهات الرسمية ومراكز القرار وتستخدم المال والإعلام والشهوات في تمرير وتمكين رؤاها ومخطّطاتها المدمّرة.

التاريخ وحقائقه مع فلسطين:

وبما أنّ التاريخ وكشوفاته الأثرية ووثائقه لا يُثبت مقدار مُسكةٍ من حقٍّ لـ: “إسرائيل” في فلسطين عامة والقدس خاصة، فسيظل دون شك العدو اللدود لهذه الدولة اللقيطة على ظهر الثرى، الشاذة عن كلّ الأعراف والقوانين؛ فالتاريخ أيها السادة القراء الأكارم يقول بأن العرب اليبوسيين الكنعانيين هم الذين بنوا القدس في بدايات العصر البرونزي منذ ما يربو على 6000 سنة. أجل (ستة آلاف سنة) ، وأطلقوا عليها اسم “يبوس”، ثم سُمّيت بعد ذلك في مرحلة لاحقة باسم “أور سالم” أي مدينة السلام، وذلك قبل هجرة أبي الأنبياء إبراهيم عليه السلام من “أور” العراقية مروراً بأراضي ومدن فلسطين بما فيا مدينة القدس، أي قبل 2600 سنة على الأقل من ظهور الديانة اليهودية.

وحتى الذين أشكل عليهم الأمر وظنوا بأن اسم “أورشليم” أو ” يورو شليم” اسم عبري، نقول لهم على رِسْلكم أيها السادة: إنّ أورشليم كلمة آرامية كنعانية، والآرامية الشرقية هي اللسان الذي نزل به الإنجيل الشريف على سيدنا عيسى بن مريم عليه السلام في الناصرة بفلسطين الحبيبة؛ فهذه اللغة هي إحدى الألسنة السامية الشرقية القديمة مثل اللغة الكنعانية والسومرية والأكدية والسبئية (لغة اليمن القديمة)، والكثير من علماء التاريخ واللغات يذهبون إلى أنها تنتمي إلى فروع دارسة من اللغة العربية القديمة التي لم تقترب من بعضها، ولم تأخذ في التآلف والمطاوعة إلا عندما انتشرت بين قبائل شبه الجزيرة العربية قبل وأثناء ما يُسمى بالعصر الجاهلي. فاللغة العربية كغيرها من اللغات الإنسانية مرّت بمراحل تاريخية وحضارية وبشرية معقّدة، ولم تأخذ صورتها النهائية الموحّدة إلا مع نزول القرآن الكريم مطلع القرن السابع الميلادي.

أما ظهور داوود وسليمان عليهما السلام، فقد كان في مرحلة متأخرة جداً على تاريخ بنائها وتأسيسها وحكم العرب الطويل لها؛ ولم تدم فترة حكمهما لها أكثر من سبعين سنة. وهذه إرادة الله تعالى في إرسال أنبيائه وتنزيل كتبه التي كانت كلها في المنطقة العربية، فما علاقة هذا الأمر بالأحقية في الأرض؟

إن موسى عليه السلام أكبر وأعظم وأشهر أنبياء بني إسرائيل، شاء له الأمر الإلهي أن يُبعث في مصر وأن تتنزل عليه التوراة بلغة مصر القديمة وهي اللغة الهيروغليفية، فهل معنى ذلك أنّ مصر أرض يهودية من حق بني إسرائيل؟

إذا كان الأمر كذلك، أو وفق هذا المنطق المغلوط، فإن فلسطين تضحى أرضاً مسيحية لأن عيسى بن مريم عليه السلام مواطن فلسطيني، كما تضحى مصر أرضا يهودية لأن موسى عليه السلام مواطن مصري!

إنّ ظهور الرسالات السماوية في أرض معينة لا يعني البتّة، أن تلك الأرض تصبح من حق أتباع ومعتنقي تلك الرسالات، لأن الأرض وملكيتها تتبع التاريخ والتأسيس الموغل في القدم وإرث الأجداد. ونحن نرى دولاً وشعوباً إسلامية كثيرة على وجه المعمورة من غير العرب، فهل قال أحدُهم إنّ جزيرة العرب من حقنا ما دمنا قد اعتنقنا الإسلام؟

هذه هي الحقيقة الراسخة الناصعة التي يؤكدها التاريخ ومستنداته ونقوشه وآثاره؛ وهذه هي نقطة الضعف البارزة في المشروع الصّهيوني الغاصب البغيض التي ينبغي التذكير بها على الدوام، ووضعها أما أعين الأشهاد. أما اليهود الشرقيون فهم مواطنون عاشوا معزّزين على مدار التاريخ، بل لم يتم تكريمهم وحمايتهم سوى في ظلال الإسلام وحكم الدولة الإسلامية؛ وقد انتبه إلى هذه المسألة المهمة أحد أكبر مؤرخي الحضارات هو المؤرخ والمستشرق السويسري/ الألماني “آدم متز”، وذلك في كتابه: [الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري]؛ حيث ذكر بأنّ الحضارة الوحيدة عبر التاريخ التي كرّمت ومنحت مناصب عليا في الدولة بما في ذلك منصب الوزارة لغير المسلمين – كاليهود والنصارى- هي الحضارة الإسلامية.

الدولة الصهيونية دولة عصابات

أما دولة الاحتلال الصهيوني فهي مجموعة عصابات من جنسيات غربية مختلفة خاصة من بولونيا وروسيا؛ ولذلك فإن الدول التي راجعت التاريخ استدركت على علاقتها مع الكيان الصهيوني مثل دولة جنوب إفريقيا التي خفّضت عقب قرار ترامب البائس في قضيّة القدس مستوى علاقتها: من سفارة إلى ممثلية ثم إلى مجرّد مكتب تنسيق. فهل يمكن أن تتشكّل يقظة جادة بين الدول تقود في النهاية إلى تطويق دولة الكيان الصهيوني وإلزامها بتطبيق المواثيق الدولية واحترام حقوق الشعب الفلسطيني؟

ولعلّ الإنصاف يقتضي أن نشير إلى أنّ اليهود عبر العالم ليسوا سواء، إذ يوجد منهم مَن يناوئ دولة “الاحتلال الصهيوني” ويقرّ بحقوق الشعب الفلسطيني في أرضه ووطنه، وهناك عدة منظمات يهودية سياسية وثقافية تناهض بشدة دولة “إسرائيل”؛ ويمكن للقارئ الكريم أن يقرأ عن هذه المنظمات: “ناطوري كارتا” – “ترابط” – “زوخروت” – “فوضويون ضد الجدار” – “صوت يهودي للسلام jvp” – هعيدا هحريديت، وغيرها من المنظمات التي تدعو إلى وجوب طرد الصهاينة من فلسطين، وإلى إقامة الدولة الفلسطينية، مع الاحتفاظ بحق يهود الشرق ومسيحيي الشرق بالإقامة في فلسطين، كما كان الوضع التاريخي قبل الاحتلال، وقبل أن يزرع الغرب هذه “الجرثومة” في أوصال الجسد الإسلامي بهدف استنزافه والحيلولة دون تحقيق نهضة الأمة الإسلامية، وعودة الإسلام إلى الصعيد الدولي وممارسة دوره الحضاري في الهداية وبناء الإنسان والحضارة وفق المنهج الرباني المتوازن الذي يُسعد البشرية في الدنيا، ويُطمئنها بمصيرها في الحياة الأبدية في الآخرة.

عن المحرر

شاهد أيضاً

سلسلة تاريخ الحلقات العلميّة في ورقلة/ إبراهيم بن ساسي

في هذه الإطلالة الموجزة وفي هذا الشهر الرّمضاني الكريم نورد — إن شاء الله — …