الرئيسية | قضايا و آراء | المؤرخ المجاهد “الأخضر بوطمين” في ذمة الله والمرحوم من تلاميذ جمعية العلماء المسلمين الجزائريين/ محمد مصطفى حابس

المؤرخ المجاهد “الأخضر بوطمين” في ذمة الله والمرحوم من تلاميذ جمعية العلماء المسلمين الجزائريين/ محمد مصطفى حابس

ودعت الأسرة الثورية بقسنطينة أول أمس الأربعاء المجاهد والمؤرخ جودي الأخضر بوطمين، صاحب كتاب “مسيرة الثورة الجزائرية من خلال مواثيقها” ، وكاتم أسرار الثورة وخزّانها في الولاية التاريخية الثانية، أو كما يلقبونه أصحابه بالعلبة السوداء لثورة الشمال القسنطيني، والذي وافته المنية عن عمر يناهز 87 سنة تاركا فراغا كبيرا لدى أسرته ومن عرفوه والذين عايشوا معه مراحل الثورة.

كتب عنه وزير الثقافة عز الدين ميهوبي “في بلادنا يوجد الحاج الأخضر قائد الأوراس، والأخضر بن طوبال أحد كبار الثورة، والأخضر حامينا أعظم سينمائي عرفته الجزائر، والأخضر بلومي أشهر لاعب أنجبته الجزائر، والأخضر بريش أفضل معلّق رياضي، والأخضر بوطمين أهمّ مفكر لا تعرفه الجزائر. ويوجد الكتاب الأخضر الذي سمعت به ولم أقرأه”، ثم أردف قائلا: “إذا كان “الخضر” كلّهم معروفين، فمن هو الأخضر بوطمين؟ إن الأستاذ لخضر بوطمين، ذاكرة تاريخ الثورة في الشرق، يعرفه الكتاب والأدباء وأهل القرطاس والقلم، كونه لا يغيب عن أي ملتقى أو منتدى جزائري خاصة في نصف القرن الأخير، فيحدّثك في الأدب والثقافة والسياسة والدين والإستراتيجية والإعلام؛ كما قال بعضهم عنه: “يبدو دائما بأناقته، وجديّته، شخصا لا يجارى، فيحبّه التلاميذ والأولياء والخطباء والأدباء، ويظهرون له الاحترام، لصدقه الذي لا حدود له”.

الأستاذ الأخضر مواطن جزائري عادي “فوق العادة”، “فكّر في المنافسة على الرئاسة في العام 1995م”، حسب ما تناقلته وسائل الإعلام آنذاك، وقدم نفسه بديلا لكلّ ما هو موجود، و”طلب دعم النخب الثقافية له ولأفكاره، ولكنّه اقتنع لاحقا أنه كمن يؤذّن في مالطا..!”، كما علق عن سيرته الوزير عز الدين ميهوبي.

بالمختصر المفيد الكاتب والمجاهد بوطمين جودي لخضر، من تلاميذ جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وخريج معهد ابن باديس بقسنطينة، حمل القلم بيمينه والبندقية في يساره إبان الثورة، وكان العلبة السوداء لمجاهدي الولاية التاريخية الثانية، كما يقول عنه من عاصره من المجاهدين، استطاع رغم صغر سنّه آنذاك أن يُصبح الكاتب الأمين للعقيد صالح بوبنيدر.

الأستاذ المجاهد بوطمين من مواليد سنة 1931م ببلدية برج الطهر بولاية جيجل، بعد أن تعلّم في مدرسة قرآنية قرب مسقط رأسه، التحق بمعهد عبد الحميد بن باديس بقسنطينة و تخرج منه سنة 1951م، ليسافر بعدها إلى جامع الزيتونة أين درس حتى عام 1952م، وفي نفس السنة حصل على عضوية أول بعثة لجمعية العلماء المسلمين إلى جامعة بغداد في العراق، وهناك درس بدار المعلمين العالية إلى غاية التخرج عام 1956م، بالحصول على شهادة ليسانس في التاريخ والجغرافيا.

بعد الاستقلال اشتغل المجاهد بوطمين في مهنة التعليم، وتقلد فيها عدة مناصب كان آخرها مديرا لثانوية عين البيضاء بولاية أم البواقي، وخلال هذه المرحلة، كانت له أيضا مساهمات في يومية النصر ومجلتي الجيش وأول نوفمبر، كما ألّف 6 كتب تحدث فيها عن ذكرياته إبان الثورة، وواصل النضال في حزب جبهة التحرير الوطني إلى غاية سنة 1987م، انتُخب عدة مرات عضوا في المنظمة الوطنية للمجاهدين، ولمرتين في المجالس المحلية بولاية قسنطينة رفقة أستاذنا العرباوي مفتش التربية أيامها، كما تقلّد منصب نائب في البرلمان في عهدة استمرت بين سنتي 1977م و 1982م.

 

كثير من شباب الصحوة اليوم يخلطون بين “الأخضرين”، بين الأستاذ والشيخ، الأستاذ لخضر بوطمين مدير ثانوية، والشيخ لخضر بوكفة الإمام المعروف، هذا الأخير، الذي يقال عنه في سبعينات القرن الماضي “لا يفتى والشيخ الأخضر في البيضاء”، أي في مدينة عين البيضاء وما جاورها، وهذا طبعا قبل أن تصبح أم البواقي ولاية، وخنشلة ولاية، أي يوم كانت عين البيضاء من أكبر مدن المنطقة، بحيث أن الشيخ لخضر بوكفة كان مرجع قضاة الجهة الشرقية لولاية قسنطينة في الفقه المالكي، أي كل ما يخص قضايا الأسرة والزواج والطلاق والميراث التي تحال عليه من طرف القضاة للفصل فيها على مذهب الإمام مالك.

وشيخنا لخضر بوكفة، معروف في الشرق كعالم عصامي ورع، من مواليد سنة 1891م بعين البيضاء وتوفي بها يوم 22 مارس 1981م. تعلم القرآن وحفظه في طفولته، وتتلمذ على مشايخ زوايا ومساجد المنطقة، كما لازم الشيخ المفتي حسن بولحبال مدة سبعة سنوات متلقيا لعلمه، كما درس المذهب المالكي وعلوم اللغة العربية، وألفية ابن مالك، وقطر الندى، وكتاب الشيخ خليل في علم الفرائض (سيدي خليل). جاهد المرحوم بلسانه منذ نعومة أظفاره، إلى أن اندلعت الثورة التحريرية فالتحق العديد من تلاميذه بصفوف جيش التحرير الوطني، وقد استشهد اثنين من أولاده قبيل الاستقلال، وأغلقت مدرسته القرآنية. رغم ذلك واصل مسيرته في نشر العلم والوعي بين شباب القرى المجاورة حتى الاستقلال اين استرجعت زاويته دورها الرائد في محو آثار الاستعمار من جهل وأمية، كما أسس مدرسة حرة صغيرة بنظام نصف داخلي يتعلم فيها شباب المدن المجاورة حتى شهادة التعليم المتوسط (الأهلية)، وتخرج منها عشرات المعلمين، وقد تعرفت على بعضهم، وهم الآن في سن التقاعد.

كما كان له الفضل في بداية سبعينات القرن الماضي، في فتح باب مسجده لأول حلقات الصحوة الإسلامية، بعد أن رفضتهم جل مساجد المدينة، وقد ذكر لي أحد الإخوة أن من الذين هددوا الشيخ بغلق مسجده في عهد الاشتراكية، أحد ممثلي الحزب الواحد وهو من عائلته القريبة، علما أن عدد أفراد الحلقة يومها لا يتعد أصابع  الأيدي، شباب من تلاميذ متوسطة بن سينا (العريقة) والثانوية الجديدة (زيناي حاليا)، يمثلون تقريبا كل جهات المنطقة منهم الإخوة جمال وداي وغلام عبد اللي ومخلوفي من عين البيضاء واثنين من قصر الصبيحي، وواحد من عين مليلة واثنين من أم البواقي و اثنين من مسكيانة، وواحد من عين فكرون، واثنين من سيقوس، عموما هؤلاء هم أفراد أول جماعة الصحوة في الجهة – طبعا الحلقة أسبوعية بريئة بين شباب غض بعيدا عن كل سياسة شرقية أو غربية – تعالج أمور دينية تكوينية من تفسير وسيرة لا غير، تدوم عموما من الظهر للعصر، يجلس التلاميذ بعدها في حلقة ثانية مع الشيخ لخضر – رحمه الله، ليحدثهم مدة نصف ساعة في مسائل فقهية تربوية ووعظيه متنوعة، بأسلوب مبسط مشوق. ومع مر الزمن، رحب الشيخ بوكفة، رغم الضغوطات الأمنية بندوات موسمية في مسجده، يقدمها طلبة من أبناء الجهة الذين يعودون أثناء العطل من جامعات العاصمة وقسنطينة، أمثال الإخوة الدكاترة عبد الرحمان ق. وسحنون ز. والوردي ب. وغيرهم، وقد نعود في مقال مطول قادم بحول الله للتعريف بالشيخ بوكفة وما قدمته أكفه للصحوة في الشرق الجزائري قبل الكثير.

أما الأستاذ المرحوم المؤرخ لخضر جودي بوطمين، الذي وافته المنية الأسبوع المنصرم بقسنطينة، فقد عرفته وأنا تلميذ في السنة الأولى ثانوي إذ كان هو مدير ثانويتنا “ثانوية عين البيضاء المختلطة”، التي تسمى اليوم “ثانوية الحاج زيناي بلقاسم، بعين البيضاء”، فالرجل من بعيد كنا نخافه لصرامته وانضباطه، رغم نحافة جسمه وقصر طوله، إذ كنا نراه من بعيد أيضا بتسريحة شعره البراق وأناقته العالية المعهودة، وما أن يدخل بين صفوف التلاميذ حتى يختفي لقصر قامته، رغم ذلك نشم رائحة عطره من بعيد، إذ كان كثير التعطر، رحمه الله.

وأذكر أنه، قبل الانصراف للأقسام يقف أمام صفوفنا ليعطي تعليماته ونحن صامتون كأن على رؤوسنا الطير كما يقول المثل العربي، محدقا فينا بنظراته المتفحصة في استواء الصفوف كأننا جنود تحت التدريب، بعدها يطأطئ رأسه ويطلق بسمته الهادئة وينصرف!! لقد كان المدير لخضر بوطمين مرعبا حقا للغاية ليس للتلاميذ فحسب، بل حتى  للأساتذة، أما مع عمال الإدارة والمراقبين، ويتصرف معهم بحزم  عسكري كبير.

يعود للمرحوم  لخضر بوطمين الفضل بعد الله تعالى، في الترخيص لنا بفتح أول مصلى صغير قرب المطعم في ثانويتنا، وهو أول من شجعنا شخصيا على الكتابة في جريدة الفجر الفصلية المحلية التي انطلقت من ثانويتنا، ونحن لا نزال يومها تلاميذ صغار، الأمر الذي لم يعجب أحد الأساتذة المحسوبين على التيار “البعثي العروبي” الذي كان يفضل لنا التهريج المسرحي الذي كانت ترعاه “إتحاد الشبيبة” اليسارية، كما أخبرنا بذلك أحد الأساتذة، ونحن إذ نودعه اليوم مدير ثانويتنا الأسبق، وأحد رجال التربية الخلص، نودعه بحزن وحسرة على ما تركه في نفوسنا وفي سلك المنظومة التربوية، بل وفي ساحة الصحوة الفكرية والأخلاقية والاجتماعية للمجتمع الجزائري، من فراغ كبير، فإننا نتضرع إلى الله تعالى بأن يتغمده برحمته الواسعة، ويغفر له ما تقدم وما تأخر من ذنوبه، ويرفع مقامه في جنته، ويبدله دارا خيرا من داره، وأهلا خيرا من أهله، ويجعل له لسان صدق في الآخرين، ويصبِّر أهله وتلامذته ومحبيه. إنا لله وإنا إليه راجعون.

عن المحرر

شاهد أيضاً

من لم يحترم دقائق الوقت لا يحترم دقائق الشرع…

مداني حديبي/ من الظواهر المؤلمة المقيتة عدم الالتزام بالوقت والانضباط في الحضور…والأمثلة كثيرة.. الاجتماع المفروض …