الرئيسية | على بصيرة | نفحات إيمانية من الأوراس*/ أ. د. عبد الرزاق قسوم

نفحات إيمانية من الأوراس*/ أ. د. عبد الرزاق قسوم

أصحاب الفضيلة العلماء الأجلاء، صاحب السعادة والي الولاية، قائد المصلحين والصلحاء،

السيدات والسادة الفضلاء، أبناء وبنات الجمعية العاملين المخلصين الأوفياء.

من نسمات سفح وقمة جبل الأوراس الأشم النبيل، ومن عَبق مسك دم الشهيد الزكي الأصيل، ومن نفحات روح عبد الحميد بن باديس التقي الجليل، ومن وحي هذه النسمات والتضحيات الروحية الوطنية، التي تجللنا في مدينة خنشلة المجيدة التليدة، مدينة العلماء، والمجاهدين والشهداء؛ من وحي كل هذه القيم نستلهم معاني اللقاء، بمناسبة ميلاد جمعية العلماء، جمعية المؤاخاة بين الصالحين المصلحين الأصفياء، وشباب أمتنا، بناة المجد الأتقياء.

فسلام عليكم؛ إنها تحية إجلال وإكبار لكم على هذا الوفاء للعظماء، وتحية امتنان وتقدير لكم، على سمو العطاء، وكرم السخاء، وصدق الإخاء.

ما أجمل أن تكون مدينة خنشلة موعداً لملتقى العلماء والشهداء، فتقدم للوطن صورة عن الأصالة والإباء، والتسامح والإخاء، تحت عنوان: “الوفاء للعلماء، والانفتاح على قضايا الأمّة من أبنائنا، الأتقياء، الأصلاء والنبلاء”.

إن الشباب في كل أمّة، هو عنوان القوة في نموها وبنائها، متى أحسن تكوينه، وأجيد توجيهه، وهو الدعامة في كل بناء مصاد للزلازل والزعازع، وحامي حمى الملة والأمّة، من كل أنواع التنطّع والتشدّد والتعصّب والتطرّف. ولنا في تاريخنا الإسلامي أمثلة ونماذج على ذلك.

فمحمّد صلى الله عليه وسلم، والذين معه من الشباب، كانوا هم واضعي بناء الأمّة الإسلامية، على التوحيد والوحدة، فكانوا بذلك، هم أسس السلفية الصحيحة التي يقتدي بها كل مسلم.

وجمعيتكم، جمعية العلماء، أم الجمعيات، قامت على أكتاف فتية آمنوا بربهم، وزادهم هدى، فوضعوا أسس الإصلاح الشامل، إصلاح العقيدة، وإصلاح العقول، والمزج في انسجام كامل، بين حب الله تعالى، وحب الوطن، فكان التمازج المحمود بين العقيدة والوطنية، فلا عقيدة صحيحة دون وطنية عميقة ودقيقة، ولا وطنية دقيقة وعميقة دون عقيدة سليمة، تتسع لكل المؤمنين، ولا تضيق بأي اختلاف بين المذاهب الصحيحة، والاتجاهات الاجتهادية الفسيحة، وهكذا قامت جمعية العلماء – التي نحيي اليوم ذكراها السابعة والثمانين- على التكامل بين الطوائف والأقاليم، والمذاهب والتعاليم، ديدنها التسامح، والتناصح في وسطية واعتدال.

وكل ذلك كان بفضل العناية بكل أطياف المجتمع وطوائفه، بدء بالشباب؛ هذا الشباب تمثّله إمامنا محمد البشير الإبراهيمي بأنه يجب أن يكون، واسع الوجود، لا تقف أمامه الحدود، يرى كل عربي أخا له أخوة الدم، وكل مسلم أخا له أخوة الدين، وكل بشر أخا له أخوة الإنسانية، ثم يعطي لكل أخوة حقها فضلا وعدلا.

إن هذا النوع من الشباب الإصلاحي الملتزم، هو كما وصفه إمامنا الإبراهيمي دائماً: “محمدي الشمائل، غير صخّاب ولا عتّاب، ولا مغتاب، ولا سبّاب، عفًّا عن محارم الخلق ومحارم الخالق، مقصور اللسان إلا عن دعوة في الحق، أو صرخة في وجه الباطل، لا تنطوي أحناؤه على بغض ولا ضغينة”.

ذلك هو النموذج الذي يجب أن يُصنع وأن يُقتدى به، وأن يسود بيننا في وطننا. كما قال الشيخ دائماً: “يا شباب الجزائر هكذا كونوا أو لا تكونوا”

إن آفة شبابنا اليوم، هذا العنف الأعمى بجميع ألوانه، عنف اللسان، وعنف الجنان، وما ذلك إلا لأنه كان ضحية الغلو في الدين، وفي الإيديولوجية.

إن العنف يا أبنائي، ويا بناتي، يغلف القلوب والعقول بغلاف التعصب، فإذا هو سلاح قاتل لصاحبه ولغيره.

إن تخصيص ملتقانا – هذا- لقضايا الشباب، لهو عين الحكمة، خصوصاً في زمن اختلطت فيه المفاهيم، وضيقت فيه كل التعاليم والأقانيم، فصرنا لا نعلم من هو المسلم المؤمن الصحيح، ومن هو الملحد الفاسق القبيح…!

فقد ضُيِّق معنى التدين، وهو الفسيح، فحوِّل إلى منهج إقصائي نابذ قبيح، ووقع السطو على المفاهيم الأصيلة، فأصبحت كلمات هجينة ودخيلة.

لذلك، فإن المختصين الذين أوكل إليهم بحث موضوع الشباب، يجب أن يتحلوا بكل الشجاعة والموضوعية، حتى يخلّصوا أبناءنا وبناتنا من آفة التشدد في الدين، وآفة التعصّب في الإيديولوجية، حتى نبني شبابا، معتدل المزاج، متوازن الشخصية، متخلّصا من الكلمات المظلومة، وأنواع السلوك المسمومة.

ودون استباق نتائج الباحثين الأخصائيين في استخلاص النتائج، فإن الخلاص يكمن في الاعتدال، والوسطية، والتسامح، وما غَيرُ منهجُ ابن باديس وإصلاحه أنفع للجميع، في تدعيم أسس السلفية الحقة، واتباع مبادئ العقيدة المستحقة، والقضاء على كل أنواع الغزو الثقافي والأيديولوجي، الوافد علينا، تحت أي غطاء، مهما اختلفت الكلمات والأسماء.

فيا أبناء وبنات جمعية العلماء، لقد بان الفتح لكل ذي عينين، فلا تنخدعوا بالأيديولوجيات الفاسدة، التي فشلت في مجتمعاتها، ويحاول أن يكون لها مكاناً بين عقول أبناء مجتمعنا، كما لا تغرنكم عناوين ومضامين، وسموم تنفثها ثعابين.

إن الوطن أمانة في ضمائر الجميع، وإن الدين حمل في وعي كل المتدينين، فحصنوا أنفسكم بقيم الوطنية العميقة، وتزودوا بزاد العقيدة الدقيقة، لتحققوا آمال شعبكم، وشعوب أمتكم الشقيقة، ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [سورة آل عمران، الآية: 139].

أتمنى لملتقانا هذا النجاح والتوفيق، وندعو بكل من أعد واستعد، وجاد وجد، وقدّم العون والمد، بدء بالوالي الصالح والي هذه الولاية، وانتهاء بأبناء الجمعية الأصلاء الأوفياء، وإن البقاء للأصلح، و﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ﴾ [سورة النحل، الآية: 128].

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الهامش:

* الكلمة التي ألقيت في حفل افتتاح الملتقى المنعقد بولاية خنشلة، وذلك بمناسبة الذكرى السابعة والثمانين لتأسيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، يومي 04/05 مايو 2018م.

عن المحرر

شاهد أيضاً

تجفيف الذاكرة والمنابع واغتيال العقول والمراجع

أ.د. عبد الرزاق قسوم رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين/ ذلك هو واقع صراعنا المرير، مع …