الرئيسية | شعاع | جمعية العلماء المسلمين الجزائريين “أعلام وأحفاد … محاولة تنوير وتقدير” / حسن خليفة

جمعية العلماء المسلمين الجزائريين “أعلام وأحفاد … محاولة تنوير وتقدير” / حسن خليفة

لم أجد أحسن من هذا التركيب للتعبير عن ذكرى تأسيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين السابعة والثمانين، وتزامنها مع أنشطة وبرامج وأعمال قيّمة جديرة بالاهتمام والتقدير والتشجيع.

ففي ظرف زمني قصير جدا، منذ مطلع شهر فيفري الماضي، حتى هذا التاريخ 8 ماي 2018م، نظمت شُعَب الجمعية وفروعها، عبر عشرات الولايات والبلديات الكثير من الأعمال والأنشطة في مجالات متعددة، احتفاء بشهر العلم (أفريل) وإحياء لذكرى التأسيس؛ ففي مجال الملتقيات وحدها هناك أكثر من ست ملتقيات وطنية (الوادي، قسنطينة، بلعباس، سكيكدة، قالمة، خنشلة، بسكرة (ليشانة)…إلخ)، إلى عشرات من الندوات والمحاضرات والدروس والمواعظ  والنشاطات المتعددة (معارض ـ فعاليات نسوية ـ دورات تكوينية ـ أيام دراسية …إلخ)، بطبيعة الحال مع العمل – اليومي والأسبوعي- الدائم المنتظم، وينبغي أن يكون لكل ذلك بعض التقدير والتثمين.

لكنني أريد الوقوف بعض الشيء عند ملتقيين اثنين فحسب، تزامنا وتلاصقا:

ـ أولهما: ملتقى “دور أعلام الإصلاح” الذي نظمته شعبة قالمة، والذي أمكن لمن حضره أن يكتشف ـ بالوقائع والسندات والوثائق ـ كم كان أعلامنا في الفكر والدين والإصلاح عظماء وعباقرة ومجدّدون ومبتكرون، وفي مستوى الرسالة الدعوية التي قاموا بها، بتوفيق الله تعالى، وببذل الجهود المنظمة المخططة، ويتعلق الأمر هنا بالشيخ محمد الحفناوي الذي قُدمت فيه مداخلتان لافتتان في ملتقى قالمة، لكل من الأستاذ الشاعر محمد بن رقطان والأستاذة مفيدة سكفالي.

يمكن لمن تابع – ونرجو أن تُنشر أعمال الملتقى قريبا- أن يتعرف على ملامح فكر استشرافي تخطيطي منظّم متقدم جدا؛ إذ في أوائل القرن الماضي 1904م إلى العشرينيات منه وما بعدها، كان هذا الرجل الفذّ الشيخ محمد الحفناوي يفكر  بشكل سابق لزمنه، بمنهج  مختلف، فكر أتاح له أن يؤسس لفضاء تعليمي – ديني- تربوي – اجتماعي، امتدت آثاره بين سوق أهراس وعين عبيد، من خلال نظام تسيير محكم للمدارس والمزارع والمحال التجارية؛ حيث أبدع في توزيع المحاصيل الزراعية، وتوجيه ريوع التجارة وعروض البيع بما يخدم التعليم والدعوة والأعمال الصالحة، كما كان يقدم المساعدات للأيتام والأرامل ومن في حكمهم من الفقراء، فضلا عما به يقوم من تغطية نفقات الطلاب الذين يتلقون تعليمهم في “المؤسسة التعليمية”التي يشرف عليها، ولا يطلب من الدارس حين قدومه إلا إحضار ملابسه والباقي هناك من يتكفّل به، والأعجب أن انتقاء أولئك الطلاب كان يتم بتدقيق وصرامة، ويتم انتقاؤهم أولا، ثم يتم إخضاعهم لـ “مقابلة” حتى يتمّ قبولهم للدراسة (يا للدّهشة..!)؛ ليس هذا فقط، بل هناك الكثير مما أسس له، ورسخه هذا العلَم الشامخ من أعلام منطقة قالمة في تلك الظروف الصعبة  القاسية، واستمعنا إلى كثير من المواقف التي دلّت على ذكاء وحنكة و”دهاء”، استطاع من خلالها هذا الرجل أن يحافظ بها على “المكاسب” الجمة التي حققتها حركته الدينية، ومنها المدرسة التي كان أبناء الوطن في تلك الفترة يتلقّون فيها العلوم والآداب والدين لإعدادهم للحياة، ومقاومة المستدمر الغشوم. فما أجمل أن تهتم الجمعية بأعلام الوطن وعلمائه ومصلحيه، وقادة الفكر فيه، بملتقيات متخصصة عن الأعلام، منها هذا الذي تم في قالمة، وستكون هناك ملتقيات لأعلام بعض المناطق لاحقا بحول الله تعالى، بل إن ملتقى الشيخين الدولي يندرج في هذا السياق الإحيائي أيضا.

وهنا ينبغي التأكيد أن هذا التوجّه في معالجة القضايا الدينية والفكرية والثقافية – أي العناية بإبراز تاريخ الوطن- والكشف عن أعلامه ورجاله وعباقرته، لمّا يُحسب في “الجهاد العلمي – الديني لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين” تصل به الماضي بالحاضر، وتفتح فيه مجال الإحياء على مصراعيه.

ولا ينتهي ملتقى الأعلام العظام عليهم رحمة الله كالحفناوي والكاملي، وعبد الله بوراس، والمولود المهري، وأبي حفص بن محجوب، وغيرهم، حتى تفتح الجمعية عبر شعبة أخرى من شعبها ورشة معالجة فكرية تشريحية على بعد نحو 150 كلم من قالمة؛ حيث كان الاهتمام معاصرا جدا – أي اشتغالا على قضايا الحاضر القائم- فقد كان موضوع شعبة خنشلة “مشكلات الشباب الجزائري المعاصر”، وقد طُرحت على بساط النقاش الحرّ الصريح قضايا الشباب الجزائري، وتم تقديم مقاربات عن:

– “أبنائنا وشبكات التواصل الاجتماعي”، و”الشباب والتربية الإعلامية “، “البطالة والهجرة غير الشرعية، وأثرها على الاقتصاد الوطني”، “تفعيل أدوار الشباب”، في عروض علمية منهجية اجتهد الأساتذة والباحثين – قدر المستطاع- في بيان مواطن الداء، وأماكن الاختلال في واقعنا الجزائري الناطق بالكثير من النقص والعجز والضعف، والتدهور الأخلاقي والسلوكي في موضوع الشباب. لتتبع تلك العروض نقاشات حادة وصريحة وغاضبة، بما في ذلك بسط اللوم على جمعية العلماء المسلمين الجزائريين في تقصيرها، وذلك بحضور رئيسها وقيادته الوطنية، الذين تابعوا الأشغال على مدار زمن المداخلات والنقاش الطويلة، دون أن يضيق أحد منهم أو يُسكت المتحدث أو المتحدثة، بل مع الدعوة إلى مزيد التفاعل والصراحة في الطرح والنقد، وهو منهج الجمعية التي يؤكد رئيسها دائما على أنها جمعية الجميع، وأن لكل أحد الحق في إبداء رأيه والتعبير عن فكره فيها، مع  الحرص على خدمة الأهداف العامة والصالح العام، وفي مقدمة تلك الأهداف الدعوة والإصلاح.

وقد استفدنا أيضا كما استفاد الحضور بتلك العروض، وما حملته من “عصارات فكر” واجتهادات في طرح الحلول للمشكلات التي تمزّق الشباب – وتمزّق الوطن أيضا- وانتهت معظم الآراء كما جاء في التوصيات إلى أهمية “التشارك” في حمل هموم الشباب بين الدولة كسلطة وبين الهيئات التي تهتم – حقيقة- بالإنسان، وتعمل على إعادة صياغته بما يجعله إنسانا صالحا ومستقيما ومفيدا لنفسه ووطنه.

أعتقد أنه من الواجب الأخلاقي والديني، أن نقدّر – جميعا- هذه الجهود الكريمة الطيبة التي ستُثمر – لا محالة- من خلال البحث والدرس والتنظير والنقد، ومراكمة المعرفة والخبرة والرأي والطرح العلمي الموضوعي؛ ويقتضي هذا التقدير، بعد التنوير والإيضاح، أن ننظر إلى الجمعية كقوة اقتراح حقيقية، وخيمة واسعة ظليلة، وفضاء إيجابي جامع يشتغل في الأصعب والأعقد والأهم، وهو “الإنسان”. فهلاّ مددنا إليه للجمعية، كل من موقعه ودعمها في هذا العمل الجليل؟

عن المحرر

شاهد أيضاً

موقــــــع العـــــلامــــة الشيــــخ عبــــد الحميــــد بــن بــــاديــــس… – حقائـــــــــق وأرقــــــام –

يكتبه: حسن خليفة/ بدأ موقع العلّامة عبد الحميد ابن باديس، قبل عشرين عاما بداية بسيطة، …