الرئيسية | وراء الأحداث | ماذا وراء قرار سعي الاتحاد الأوروبي لتغيير قانون الأسرة؟/ عبد الحميد عبدوس

ماذا وراء قرار سعي الاتحاد الأوروبي لتغيير قانون الأسرة؟/ عبد الحميد عبدوس

لم تتوقف الضغوط الغربية ومناورات الحركات التغريبية في الجزائر على المرأة الجزائرية وعلى قانون الأسرة الجزائري، ولا يبدو أن تلك الضغوط ستتوقف قبل سلخ الجزائرية عن قيمها الدينية وانتمائها الحضاري الإسلامي، ورغم انضمام الجزائر بتحفظ سنة 1996م إلى اتفاقية سيداو (CEDAW) التي أطلقتها الأمم المتحدة في عام 1979م، ودخلت حيز التنفيذ في عام 1981م، وصادقت عليها غالبية الدول باعتبارها اتفاقية دولية للقضاء على جميع أشكال التمييز ضدّ المرأة. ومنذ المصادقة على اتفاقية “سيداو” رفعت الجزائر بعض التحفظات  التي سجلتها على الاتفاقية وخصوصا بعد إصدار قانون الأسرة سنة في 2005م، وبعد تعديل قانون الجنسية، وبمناسبة  عيد المرأة في سنة 2016م بعث رئيس الجمهورية السيد عبد العزيز بوتفليقة رسالة جاء فيها أن “الجزائر في أريحية كاملة لرفع بعض التّحفظات الأخرى على الاتفاقية الدولية “سيداو” وأعني هنا تلك التي تتماشى مع ديننا الحنيف ولا تخالف المبادئ الإسلامية، والتحفظات التي مازالت الجزائر متمسكة بها تتعلق بالتبني، وإلغاء الولي، والميراث، وحرية تصرف المرأة في جسدها .

ويبدو أن إسقاط تلك التحفظات يشكل هدفا للاتحاد الأوروبي، فقد أصدرت  المفوضية الأوروبية يوم 2 ماي  الجاري 2018م تقريرا مفصلا حول وضع علاقاتها مع الجزائر في إطار اتفاق الشراكة بين الطرفين، وأشار التقرير إلى إطلاق فوج عمل مشترك بين الجزائر والإتحاد الأوروبي لتحليل التغييرات التي يمكن إحداثها على قانون الأسرة، وجعله أكثر توافقا مع تطور المجتمع الجزائري، واعتبر أن هذا القانون يمنع زواج المرأة المسلمة من شخص غير مسلم، ويلغي عقد زواج في حال ردة الزوج.

ولكون الأسرة هي اللبنة الأساسية في بنية المجتمع، فقد حرصت الجزائر باعتبارها بلدا مسلما ينص دستورها على أن الإسلام هو دين الدولة على سن قوانين خاصة بالأسرة، وكان قانون الأسرة الصادر في سنة 1984م إنجازا جزائريا للدولة المستقلة لوضع حد للفوضى في قطاع القضاء في مجال الأحوال الشخصية، ولكن هذا القانون اعتبر من طرف التيارات التغريبية والجمعيات النسوية مجحفا في حق الأسرة، وأخذ عليه استناده إلى نصوص الشريعة الإسلامية، ورغم التعديلات الكثيرة والعميقة التي أدخلت على هذا القانون وتعويضه بقانون أسرة جديد تمت المصادقة عليه في مجلس الوزراء سنة 2005م ظلت العديد من الجمعيات النسوية ترفع مطالب إعادة النظر في قانون 2005م وتعديله، بل تصل مطالب بعض الجمعيات والحركات النسوية والشخصيات السياسية إلى الدعوة إلى إلغاء قانون الأسرة بصفة كاملة.

و لعل مهمة فوج العمل المشترك الذي أعلن بيان الاتحاد الأوروبي عن انطلاقه في العمل  يسعى لتحقيق ما كانت قد وعدت به  لويزة حنون زعيمة حزب العمال التي  تعهدت خلال حملتها الانتخابية في رئاسيات 17 أفريل2014م والتي حلت فيها في المرتبة الرابعة، بإلغاء قانون الأسرة في حالة فوزها وتعويضه بقانون مدني يضمن المساواة الفعلية بين الرجل والمرأة في جميع المجالات بما في ذلك نصيبها في الميراث، وقالت إنها تعتمد على اجتهاد رئيس المجلس الإسلامي الأعلى السابق الراحل الدكتور عبد المجيد مزيان.

وتنقسم اتجاهات الحركات النسوية التغريبية إزاء قانون الأسرة الذي يستند إلى نصوص الشريعة بين الدعوة إلى إلغائه لأنه يعتبر منظومة قديمة ورجعية وغير عادلة، وبين المطالبة بتحكيم اجتهادات مضللة وغير منضبطة بشروط الاجتهاد الحقيقية، لإعطاء الانطباع بأن المقصود ليس هو رفض احكام الشريعة ولكنه ببساطة رفض تفسيرات قديمة لنصوص الشريعة.

غير أن عامل المرونة المتوفر في أحكام الشريعة الإسلامية التي تتسم بالقدرة على مسايرة التحولات التاريخية والاجتماعية والاقتصادية لا يعني تخلي المسلم عن الالتزام بنصوص القرآن والسنة أو التعسف في تحميل تلك النصوص والأحكام ما لا تحتمل بداعي الاجتهاد والتجديد.

وفي هذا الإطار ما زلت أتذكر لقائي بالمهندس السوري الدكتور محمد شحرور الذي زرته في بيته الفخم في دمشق في سنة 1997م رفقة كل من الشاعر الأديب عز الدين ميهوبي رئيس المجلس الأعلى للغة العربية، والدكتور صالح بلعيد الأستاذ بجامعة تيزي وزو، والإعلامية الأستاذة فتيحة بوروينة رئيسة مكتب صحيفة الرياض بالجزائر، وقد استقبلنا والحق يقال بكل حفاوة وكرم وتواضع.

وكانت شهرة الدكتور محمد شحرور قد تجاوزت القطر السوري وأصبح يقدم على أنه مجدد للفكر الإسلامي ومن المجتهدين المعاصرين في الشريعة قد ضمن آراءه المستحدثة في مؤلفات أشهرها: (الكتاب والقرآن)،(الإسلام والإيمان نحو أصول جديدة لفقه إسلامي(، غير أن تلك الآراء أثارت الكثير من الجدل والرفض والرد في الأوساط الفكرية والفقهية الإسلامية، يقول الدكتور محمد شحرور في كتابه (الكتاب والقرآن): ” لقد بحثنا في فصل الحدود موضوع الإرث، وبينا أن آيات الإرث عبارة عن آيات حدية لا حدودية، ولعدم الالتباس قال بعدها تلك حدود الله، حيث أعطى الله للأنثى نصف حصة الذكر حد أدنى، وهذا الحد الأدنى في حالة عدم مشاركة المرأة في المسؤولية المالية للأسرة، أما في حالة المشاركة فتنخفض الهوة بين الذكر والأنثى حسب المشاركة وما تفرضه الظروف التاريخية”.

وقد تدخلت في النقاش الذي دار بيننا وبين الدكتور محمد شحرور وقلت للدكتور شحرور: ” كيف يمكنك القول بأن حصة الأنثى في الإرث يمكن أن تساوي حصة الذكر، مع أن آية الإرث واضحة لقول الله تعالى: {يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ} [النساء: 11].

فقال: “توصلت إلى علم مواريث جديد من خلال تفسير عصري للقرآن، وبتطبيق نظريات المجموعات والتحليل الرياضي على آيات المواريث” وبدأ يشرح على الورق طريقته الحسابية التي أوصلته إلى إيجاد قيمة متساوية في الإرث بين الذكور والإناث، وعقبت عليه بالقول: “لست متخصصا في الرياضيات، ولكني أعرف أن السنة النبوية هي أفضل شارح ومبين للنصوص القرآنية، وإذا كانت عملية التوريث أو تقسيم الإرث قد تمت في زمن النبي صلى الله عليه وسلم بالطريقة التي نعرفها اليوم ويقرها جمهور الفقهاء ويفهمها عموم المسلمين، ولم ينكر ذلك، ولم يأمر برفع حصة الأنثى في القسمة، فمعنى هذا أن آيات الإرث لا تحتاج إلى اجتهاد أو تفسير جديد”.

فرد علي بما معناه أنه لا يعطي اعتبارا للسنة النبوية ولا للحديث النبوي، لأن السنة النبوية – هي في رأيه- إجراءات تنظيمية قام بها النبي كقائد للدولة في عصره، كما أن مفاتيح فهم القرآن الكريم موجودة داخله، وليست متأتية من خارجه.

هذا الحديث جعلني مقتنعا بأن الاجتهاد أو التجديد الذي لا يلتزم بنصوص القرآن والسنة المصدرين الأساسيين لفهم الإسلام، ولا ينضبط بشرط الاجتهاد المعروفة يصبح مجرد لغو وافتراضات ظنية يحكمها الهوى.

ولم يتوقف مسعى الهيمنة الغربية عن محاولة إلغاء خصوصيات المجتمعات المسلمة، بل وصل إلى حد مطالبتنا بتغيير القرآن العظيم، وحذف آيات منه حتى ترضى عنا اليهود والنصارى. قال الله تبارك وتعالى: {وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُواْ} [البقرة: 217].

عن المحرر

شاهد أيضاً

لعنة اضطهاد الروهينغيا تطارد رئيسة حكومة ميانمار

أ. عبد الحميد عبدوس/ عادت احداث ميانمار لتتصدر الأحداث في مطلع الشهر الجاري (الاثنين 1 …