الرئيسية | في رحاب الشريعة | صيام العشر من ذي الحجة بين البخاري ومسلم (2)/محمد عبد النبي

صيام العشر من ذي الحجة بين البخاري ومسلم (2)/محمد عبد النبي

أخرج الإمام مسلم (2/833) وابن خزيمة (2/1008) وأحمد(40/177) والنسائي في الكبرى (2/165) والترمذي (3/120) عن الأعمش عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة رضي الله عنها قالت: “ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صائما في العشر قط”.

استشكل علماء الحديث ما انفرد بإخراجه مسلم عن السيدة عائشة رضي الله عنها، على اعتبار أن العمل العبادي في العشر الأواخر أمر مستقرّ، دلّت عليه نصوص عديدة، وذكرنا في الحلقة الأولى أنّ في تخريج الإمام البخاري لأحد الأحاديث في فضلها غموضا يتعلّق بافتقار النص للتصريح بالصيام فيها، ولتشويش ترجمة البخاري على ما فُهم من الحديث الذي أخرجه، كما أشرنا إلى طرق في الجمع بين الأحاديث المُثبتة والنافية لجأ إليها بعض الشرّاح.

ونحى الحافظ ابن حجر في الفتح (2/460) المنحى الذي سلكه الإمام ابن خزيمة -من قبله- فقال: )…واستُدل به على فضل صيام عشر ذي الحجة: لاندراج الصوم في العمل، واستُشكل بتحريم الصوم يوم العيد، وأجيب بأنه محمول على الغالب، ولا يَرِد على ذلك ما رواه أبو داود وغيره عن عائشة قالت: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صائما العشر قط: لاحتمال أن يكون ذلك لكونه كان يترك العمل- وهو يحب أن يعمله- خشية أن يفرض على أمته، كما ورد في الصحيحين من حديث عائشة أيضا(.

ومن بين الأمور التي تكرّرت في الشروح، واستُدلّ بها على ضدّ ما ورد في حديث مسلم: ما أخرجه أبو داوود (2/325) وأحمد(37/24) والنسائي (4/205) عن الحر بن الصباح (أو الصياح) عن هنيدة بن خالد عن امرأته عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: “كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم تسع ذي الحجة، ويوم عاشوراء، وثلاثة أيام من كل شهر، أول اثنين من الشهر والخميس”.

وأول مَن رأيته يستدل به النووي في شرحه على مسلم (8/72) حيث قال: )…ولا يلزم عن ذلك عدم صيامه في نفس الأمر، ويدل على هذا التأويل حديث هنيدة بن خالد عن امرأته عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم تسع ذي الحجة، ويوم عاشوراء، وثلاثة أيام من كل شهر، الاثنين من الشهر والخميس، ورواه أبو داود – وهذا لفظه – وأحمد والنسائي..”.

قال الزيلعي في نصب الراية (2/157): )وهو ضعيف، قال المنذري في مختصره: اختُلف فيه على هنيدة، فرُوي كما ذكرنا، ورُوي عنه عن حفصة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، ورُوي عنه عن أمّه عن أم سلمة، مختصرا”.

وقال العيني في نخب الأفكار (8/412): )…عن هنيدة بن خالد الخزاعي ويقال: النخعي، وكانت أمه تحت عمر بن الخطاب، رَوى عن أمه، وقيل: عن امرأته، على اختلاف في ذلك، وهما مجهولتان، قاله المنذري(.

وقال الشيخ شعيب الأرناؤوط في تحقيقه للمسند: )ضعيف لاضطرابه: فقد رُوي عن هنيدة كما هو عند المصنف هنا، ورُوي عنه عن أمه عن أم سلمة، ورُوي عنه عن حفصة بنت عمر..(.

وأما الشيخ الألباني فقال عن سند هذا الحديث: )وهذا إسناد صحيح، ورجاله ثقات معروفون…، وأما امرأته فلم أجد لها ترجمة..! غير أن الحافظ رحمه الله ذكر في فصل المبهمات من النسوة من التقريب: أنها صحابية، والله أعلم(.

ومما يجدر ذكره أن طريق [الحر بن الصياح عن هنيدة الخزاعي عن امرأته عن أم سلمة] ليس فيها صيام العشر، فبهذا السند قالت أم سلمة: “قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: صم من كل شهر ثلاثة أيام من أوله: الاثنين والخميس، والخميس الذي يليه(. انظر: مسند أبي يعلى )12/325).

وفي مسند أبي يعلى (12/315) كذلك من طريق الحسن بن عبيد الله عن هنيدة بن خالد الخزاعي عن أمه قالت: دخلت على أم سلمة، فسألتها عن الصيام، فقالت: “كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر بصيام ثلاثة أيام من كل شهر من أولها: الاثنين والخميس، ويوما لا أحفظه”. وليس فيه ذكر العشر.

وقد يكون من اضطراب هذا الحديث وضعفه أن الإمام أحمد في مسنده (9/460) والنسائي في سننه (4/219) أخرجا من طريق الحر بن الصباح قال: سمعت ابن عمر يقول: “كان النبي صلى الله عليه وسلم يصوم ثلاثة أيام من كل شهر، الخميس من أول الشهر، والاثنين الذي يليه، والاثنين الذي يليه”. ولم يرد في حديثه صيام العشر، التي وردت في حديث هنيدة.

وإذا كان هذا الحديث بهذه الدرجة فكيف يُعارضون به حديثا في صحيح مسلم، وكيف يُقابلون النفي بمثل هذا الإثبات؟ ولما عرض الضنعاني للأمر قال – كما جاء في التحبير (6/260)- “واعلم أنَّه أخرجه مسلم والترمذي من حديث عائشة قالت: (ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صائماً في العشر قط). انتهى، فقد عارض حديثَ هنيدة (أي:وليس العكس) وهذا – يقصد حديث مسلم النافي- أصح إسناداً، إلاَّ أنَّه قد ورد الحديث بفضل العمل في أيام العشر من ذي الحجة، ومنه الصوم…”.

عن المحرر

شاهد أيضاً

فـــــك قيــــود الأزمات والتخلص من عثرات الانهزامات

الشيخ محمد مكركب أبران Oulamas.fetwa@gmail.com/ الأزمة تعني الشدة والضيق والفاقة، وبمفهوم الاقتصاد فالأزمة هي القحط …