الرئيسية | في رحاب الشريعة | صيام العشر من ذي الحجة: بين البخاري ومسلم(1)/ محمد عبد النبي

صيام العشر من ذي الحجة: بين البخاري ومسلم(1)/ محمد عبد النبي

 

أخرج الإمام مسلم (2/833) وابن خزيمة (2/1008) وأحمد (40/177) والنسائي في الكبرى(2/165) والترمذي (3/120) عن الأعمش عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة رضي الله عنها قالت: “ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صائما في العشر قط”.

وأخرج البخاري (2/20) – في باب فضل العمل في أيام التشريق– عن مسلم البَطين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:” ما العمل في أيام أفضل منها في هذه، قالوا: ولا الجهاد؟ قال: ولا الجهاد، إلا رجل خرج يخاطر بنفسه وماله، فلم يرجع بشيء”.

وأخرج الإمام أحمد (3/433) وابن خزيمة (2/1348) وأبو داود (4/102) وابن حبان (2/30) وابن ماجه (1/550) والترمذي (3/121) عن الأعمش عن مسلم البطين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله عز وجل من هذه الأيام يعني أيام العشر-قال: قالوا: يا رسول الله:، ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجلا خرج بنفسه وماله، ثم لم يرجع من ذلك بشيء”. قال الترمذي-بعد إخراجه من طريق ابن عباس-:” وفي الباب عن ابن عمر، وأبي هريرة، وعبد الله بن عمرو، وجابر”.

ما أخرجه الإمام مسلم وغيره من الأئمة عن عائشة صريح في أنها تنفي عن النبي صلى الله عليه وسلم صيامه الأيام العشر من ذي الحجة، وما أخرجه غيره -ما عدا البخاري- واضح أيضا في أفضلية العمل مطلقا في الأيام العشر، ومن جملة العمل: الصيام، وقد كان يمكن القول بأن رفع التعارض الـمُدّعى يتمّ بإخراج الصيام من العمل، بناء على ما جاء صريحا في رواية مسلم، لكن الشُّراح آثروا إدراجه في العمل، مع مسالك أخرى في الجمع، لم يتفقوا عليها !

وأما صنيع البخاري في إخراجه لحديث:” ما العمل في أيام أفضل منها في هذه…” فإنه أبقى الأمر غامضا، ولم يحدِّد الأيام الفاضلة، ولا المفضولة ! وإن أوحت الترجمة بأن أفضل الأيام هي أيام التشريق.

وقد حاول الحافظ ابن حجر في الفتح (2/459) أن يزيل الغموض من خلال روايات الحديث المختلفة، ولما خلص إلى أن المقصود بالأيام هي العشر من ذي الحجة استدرك، وقال:” فظهر أن المراد بالأيام في حديث الباب أيام عشر ذي الحجة، لكنه مشكل على ترجمة البخاري بأيام التشريق، ويجاب بأجوبة، أحدها: أن الشيء يشرف بمجاورته للشيء الشريف، وأيام التشريق تقع تلو أيام العشر، وقد ثبتت الفضيلة لأيام العشر بهذا الحديث، فثبتت بذلك الفضيلة لأيام التشريق…”.

قد يكون الإمام ابن خزيمة -المتوفى سنة311- أوّل من أشار إلى التعارض- وحاول رفعه- حين بوّب لحديث مسلم في صحيحه (2/1008) بالقول:” باب ذكر إفطار النبي صلى الله عليه وسلم في عشر ذي الحجة” ثم أتبعه بباب آخر قال فيه:” باب ذكر عِلّةٍ قد كان النبي صلى الله عليه وسلم يترك لها بعض أعمال التطوع، وإن كان يحثّ عليها، وهي خشية أن يفرض عليهم ذلك الفعل، مع استحبابه صلى الله عليه وسلم ما خُفف على الناس من الفرائض”.

وقد يكون الطحاوي-المتوفى سنة 321 – في شرح مشكل الآثار (7/415) من أوائل من صرّح بالتعارض مع محاولة الجمع، حين قال:”..فقال قائل: كيف تقبلون هذا وأنتم تروون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في فضل العمل في هذه الأيام ما تروونه عنه فيه..”؟ ثم ذكر الأحاديث في فضل العمل في الأيام العشر، ثم كرّر السؤال مُتبعا إياه بالجواب فقال:” فكيف أن يكون للعمل في هذه الأيام من الفضل ما قد ذكره رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها، ثم يتخلّف عن الصوم فيها، وهو من أفضل الأعمال؟ فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله عز وجل: أنه قد يجوز أن يكون صلى الله عليه وسلم لم يكن يصوم فيها على ما قالت عائشة رضي الله عنها، لأنه كان إذا صام ضعف عن أن يعمل فيها ما هو أعظمُ منزلة من الصوم، وأفضلُ منه من الصلاة، ومن ذكر الله عز وجل، وقراءة القرآن…”.

ورأينا البيهقي المتوفى سنة 458 يورد في السنن الكبرى (4/471) الأحاديث في فضل العمل، ثم يتبعها بحديث مسلم ليقول:” والمثبت أولى من النافي…” وتبعه على هذا القول آخرون ممن جاء بعده.

وأما الشراح المتأخرون فقد عُنوا برفع التعارض بين حديث مسلم، وبين حديث العمل الصالح في الأيام العشر-كما جاء صريحا عند مَن حدّده بالعشر- بذكر احتمالات أخرى، فقال النووي في شرحه (8/71):” قال العلماء هذا الحديث مما يوهم كراهة صوم العشر، والمراد بالعشر هنا الأيام التسعة من أول ذي الحجة، قالوا: وهذا مما يُتأول، فليس في صوم هذه التسعة كراهة، بل هي مستحبة استحبابا شديدا لاسيما التاسع منها وهو يوم عرفة..” وأضاف:”…فيُتأول قولها:-لم يصم العشر-: أنه لم يصمه لعارض مرض أو سفر أو غيرهما، أو أنها لم تره صائما، ولا يلزم من ذلك عدم صيامه في نفس الأمر…”.

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

فـــــك قيــــود الأزمات والتخلص من عثرات الانهزامات

الشيخ محمد مكركب أبران Oulamas.fetwa@gmail.com/ الأزمة تعني الشدة والضيق والفاقة، وبمفهوم الاقتصاد فالأزمة هي القحط …