الرئيسية | في رحاب الشريعة | ما قل و دل | إنني معكما اسمع وأرى/ محمد الصالح الصديق

إنني معكما اسمع وأرى/ محمد الصالح الصديق

كان يحدثني عن المحاكم في الجزائر –وهو محام متضلع في القانون، وله أكثر من عشرين سنة في ممارسة الشؤون القضائية المختلفة – ثم صَمَتَ قليلا وزمّ على شفتيه في إطراقة خفيفة، ثم قال: لا شيء يثير عجبي من رجل يؤمن بالله –حسب دعواه- ويدين بالإسلام ويعيش بين المسلمين، ثم يأتي المحكمة بدعوى زور ليأكل بها حق أخيه بالباطل، أو يجامل شخصا بشهادة زور، ويحلف أيمانا مغلظة بالله أنه محق في دعواه، أو في شهادته، وصادق في كل كلمة قالها، وهو في قرارة نفسه يعلم أنه كاذب مزور، ثم يكشف التحقيق أنه مزور، ويضطره إلى الاعتراف، فيعترف بنقيض ما أكد على صحته بالأمس، وحلف اليمين الغموس على أنه الحقيقة التي لا يرتقي إليها شك أو كذب، كل ذلك في جرأة ما بعدها جرأة، وفي وقاحة لا تضاهيها وقاحة!

فقلت للأستاذ المحامي: لا تعجب فإن معظم من نسميهم مسلمين أو مؤمنين ليس في الواقع مسلمين ولا مؤمنين، فالإيمان في الإسلام ليس بمنعزل عن الحياة كما يظن أكثر الناس، وكما تدل أفعالهم، بل الإيمان هو الحياة نفسها ممثلة في اتساق الإنسان المؤمن مع وجوده في هذا الكون، وهي تقوم في المحكمة الشرعية بيقظة الضمير، وفي المصنع بالإتقان والإحسان، وفي المزرعة بالصبر وحسن الرعاية، وفي كل عمل يمارسه، أو رأي يرتئيه، أو قول يقوله، فبخشية الله ومراقبته.

وأكثر المؤمنين، مؤمنون إذا كان الإيمان لا يكلفهم مسؤولية، ولا تضحية، وتبعة، أما إذا كلفهم شيئا من ذلك فهم أبعد الناس عن الإيمان، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فهم لا يراقبون الله ولا يتصورون أنه يراهم، ولو أنهم يشعرون أن كل حركة منهم لا تخفى على الله، لاحترسوا من المعاصي والموبقات كما يحترسون من رجال الشرطة والدرك وأعين الناس.

وواقع هؤلاء يعكس خشيتهم للناس وتقديرهم لهم، وعدم خشيتهم لله سبحانه وتعالى، وهو موقف رهيب فظيع للغاية تنخلع منه القلوب، وترتاع منه النفوس.

روى عدي بن حاتم أنه صلى الله عليه وسلم قال: “يؤتى بناس يوم القيامة فيؤمر بهم إلى الجنة، حتى إذا دنوا منها ووجدوا رائحتها ونظروا قصورها وإلى ما أعده الله لأهلها، نودوا أن أصرفوهم عنها لا نصيب لهم فيها، فيرجعون عنها بحسرة ما رجع بمثلها، ويقولون يا ربنا لو أدخلتنا النار قبل أن ترينا ما أريتنا من ثوابك وما أعددت فيها لأوليائك كان أهون علينا! فنودوا، ذلك أردت لكم، كنتم إذا خلوتم بارزتموني بالعظائم، وإذا لقيتم الناس لقيتموهم بالمحبة مخبتين، تراؤون الناس بخلاف ما تضمرون عليه في قلوبكم، هبتم الناس ولم تهابوني، أجللتم الناس ولم تجلوني، تركتم المعاصي للناس ولم تتركوها لأجلي، كنت أهون الناظرين عليكم، فاليوم أذيقكم أليم عذابي مع ما حرمتكم من النعيم“(أورده الإمام الرازي في تفسيره عند الآية 32 من سورة البقرة).

وقال سليمان بن علي لحميد الطويل: عظني، فقال: إن كنت إذا عصيت الله خاليا ظننت أنه يراك، فلقد اجترأت على أمر عظيم، وإن كنت ظننت أنه لا يراك فقد كفرت.

وقال حاتم الأصم: طهر نفسك في ثلاثة أحوال: إذا كنت عاملا بالجوارح فاذكر نظر الله إليك، وإذا كنت قائلا فاذكر سمع الله إليك، وإذا كنت ساكتا عاملا بالضمير فاذكر علم الله بك إذ هو يقول:{ إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى}.

عن المحرر

شاهد أيضاً

أرذل العمر/ محمد الصالح الصديق

سألني أستاذ يعنى بالدراسات الإسلامية ويتعامل مع القرآن الكريم، وله فيه محاولات تعد بمستقبل باسِم …