الرئيسية | المرأة و الأسرة | قصتي مع الكتب

قصتي مع الكتب

من وحي التجربة ينقل لكم قلمي أروع ما مر به من لقطات وأصدق ما استخلص من عبر..
بقلم/ الأستاذة: صباح غموشي
طلبت مني إحدى الأخوات أن أروي لها قصتي مع الكتب، ولعلها تحضر بحثا عن أهمية القراءة، وقيمة الكتب أو شيئا كهذا.. و لأول مرة فاجأني طلبها بسؤال تردد بداخلي.. هل لي حقا قصة مع الكتب؟! مع عشقي لها، وتقديري لدرر ما تحتويه لكني كنت دوما أرى نفسي مقصرة في حقها، وبعيدة عن شرف الانتساب لعشاقها. وفي لحظة مر شريط الذكريات سريعا بخاطري، واختلجت المشاعر بداخلي، ووجدتني أستحضر قصصا لا قصة واحدة؛ بداياتها كانت مع بداياتي تعليمي، أحببت الكتب كما لم أحب اللعب، فكنت كغيري من الأطفال أسعد كثيرا بأول أيام الدراسة ولحظات تغليف الكتب، وأقرأ معظم مواضيع كتاب القراءة في أول ليلة وأنام وفي حضني كتبي، ثمّ اكتشفت مبكرا في سنوات الأساسي الأولى موهبة الكتابة فأصبحت أميل لقراءة القصص القصيرة وبعدها في الإكمالية انتقلت لقراءة الروايات وتلخيصها. وفي الثانوي أصبح لدي شغف كبير في قراءة الكتب الدينية – إن صح التعبير -، ثم تنوعت قراءاتي في الجامعة فشملت كل الكتب في الدين السياسة وفنون الأدب والعلوم وغيرها بلا استثناء. وأهم ما استفدته من رحلتي الممتعة مع هذه الكتب أو بتعبير أدق من هذه الكنوز أنها كانت إحدى أهم عوامل تكوين جوانب هامة من شخصيتي، فتعلمت منها كيف أقرأ وأحلل المعلومة وأناقشها بشكل علمي وموضوعي، وأطبق ما يتناسق مع مبادئي ويتناغم مع أفكاري، هذه الأفكار التي ساهمت بعض الكتب في ترتيبها وتنظيمها في خلدي.
أذكر أني في الجامعة كنت في فترة الامتحانات أصطحب معي كتابا أو كتيبا أقرأه كلما انتهيت من امتحان في فترة الراحة قبل أن أبدأ في مراجعة المقرر الموالي، فكان الكتاب بالنسبة لي حينها كمثل أرجوحة استرخاء أتخفف به من بقايا الامتحان الأول لأتزود منه بطاقة إيجابية تعينني على انطلاقة جيدة في المذاكرة للامتحان المقبل. وأذكر أيضا أنه حين كانت تقام معارض الكتاب، كنت أنتقل بين الكتب فإذا أعجبني كتاب – ولم يكن معي ثمن اقتنائه – أتجول بين صفحاته وأقرأها على الواقف وأمضي.
رائع ذاك الكتاب (من وحي القلم – للرافعي) الذي كان أول هدية من زوجي، ومن كرم الله بعدها أني حين تزوجت كان الركن الوحيد العامر ببيت الزوجية الجديد هو المكتبة، أمهات الكتب وأروعها نهلت منها لشهور عايشتها بكثير من الحب وكثير من الأنس لا مثيل له، ولم يكن لدينا مذياع ولا تلفاز حينها، وبالتالي لا لوحات إلكترونية ولا هواتف ذكية ولا هم يحزنون، فكان كل الوقت بعد العمل أقضيه بين صفحاتها أرتشف كنوزها مع فنجان قهوتي في أجمل قصة حب عشتها مع الكتب.
ثم تعمقت علاقة الحب بيننا، وحكايات العشرة الطيبة بيننا وقصص الوفاء العجيب بيننا، فكم رافقني الكتاب في الحافلة وفي النزهات وفي السفر، وكم استمعت لدرره وإن كنت في جلسات حميمة مع عائلتي الرائعة مجتمعين على موقد الدفء في الليالي الباردة. وحين تتعبني المشاغل، وترهقني الأعمال وتخنقي الدنيا بمصاعبها أو تحاصرني بتفاهتها، وحين يتعبني البشر كنت أفيء إلى ظل كتابي ونكهات قهوتي في بهو شرفتي، أنسى الدنيا وما فيها، وأستجمم أروع استجمام في صفحاته. قصص كثيرة يرويها القلم، ولا يمل عشتها بجوارحي وكياني وروحي مع كل كتاب كنت كلما قرأت سطرا فيه تمنيت لو أنّ كل أحبتي تمتعوا بدرره.
وستبقى رحلتي مع الكتب إلى آخر رمق في حياتي، ولعلي ألقى الله وفي حضني مصحفي وكتاب؟!
ولست أروى بدعا أو أبالغ في كلام؛ بل هي تلك الجواهر الحسان التي تعلمتها من كل الكتب التي قرأتها فكانت في كل مرة تزيد في رصيد معارفي، وتنمي لغتي ومهاراتي، وتطور مداركي. وأجمل ما زودتني به الكتب الصبر الجميل وسعة الأفق وطول البال، وكانت خير معين لي في تحسين أخلاقي – وإن كنت مقصرة في كل ما سبق ذكره – فالذنب ذنبي لا ذنب الكتب… هي علمتني والله يشهد على ما أقول.
بقي كتاب أحلم بحمله وقراءة ما بين دفتيه مع أجمل فنجان قهوة هو كتابي الذي أحلم بنشره سلسلتي “من وحي التجربة”، لعل أحدا يقرأه فينتفع بشيء منه، فأنال أجره إن شاء الله. كما أسأل الله أن يجازي خيرا كل الذين كتبوا دررا نفعتنا في حياتنا كلها.

عن المحرر

شاهد أيضاً

من أهم مقاصد التربية في الإسلام قوله صلى الله عليه وسلم: «إنما بعثت لأتـــمم مكارم الأخــــــلاق»

أمال السائحي/ خلق الله الإنسان ليعمل بإرادة تأتمر في تحريك الأعضاء على العمل بأمر العلم، …