الرئيسية | وراء الأحداث | خيرهم لغيرهم وشرهم بينهم..!

خيرهم لغيرهم وشرهم بينهم..!

يبدو أن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لم تعد تكتفي بحث الدول الخليجية على غرار السعودية والإمارات وقطر بضخ مليارات الدولارات للإبقاء على جنودها في سوريا، ولكنها انتقلت إلى مرحلة الطلب من الدول العربية تقديم المال وإرسال قوات عسكرية لحماية المصالح الأمريكية في شمال سوريا. فقد أكد وزير الخارجية السعودي عادل الجبير في تصريح له بعد اختتام أشغال القمة العربية أن السعوديين يُجرون مشاورات مع الولايات المتحدة من أجل إرسال قوات سعودية إلى سوريا، وذلك بعد أيام قليلة من تقرير نشرته صحيفة (وول ستريت جورنال) تحدثت فيه عن أن الإدارة الأمريكية تدرس مقترحاً لتعويض انسحاب الجيش الأمريكي من سوريا بجيوش عربية.
وكانت القمة العربية التاسعة والعشرون التي عقدت بالظهران في المملكة العربية السعودية يوم 28 رجب 1439هـ الموافق 15 أفريل 2018 صورة معبرة عن استمرار تدني الوضع العربي وتصدع الأمن القومي، ورغم أن العرب مازالوا يتظاهرون بإبداء الدعم والتوافق حول القضية المركزية للأمة العربية (فلسطين) حيث أكد البيان الختامي للقمة على:” بطلان وعدم شرعية القرار الأمريكي بشأن الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل”، إلا أن الرئيس الفلسطيني محمود عباس أراد أن لا يشذ على قاعدة تكريس الخلافات وتثبيت الضغائن بين الأشقاء، حيث عاد في خطابه إلى التذكير بخلافات السلطة الفلسطينية مع حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، ففي الوقت الذي كنا نظن فيه أن الهبة الفلسطينية البطولية قد أعادت اللحمة بين قوى الشعب الفلسطيني، وجسرت الهوة بين قياداته من خلال تجسيد الوحدة النضالية في مسيرات العودة التي مازالت فعالياتها مستمرة ومتصاعدة، إذا بنا نشاهد حرص رئيس السلطة الفلسطينية أمام القادة العرب على التمسك بموقفه الذي يدين حركة حماس ويحملها مسؤولية محاولة تفجير موكب رئيس الوزراء الفلسطيني رامي الحمد الله أثناء زيارته قطاع غزة برفقة رئيس الاستخبارات الفلسطينية ماجد فرج يوم 13مارس 2018.
أما بخصوص سوريا فقد تباينت المواقف العربية بشكل لافت من الضربات الصاروخية التي شنتها كل من الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وفرنسا على سوريا يوم 14 أفريل الجاري، أي عشية انعقاد القمة العربية التي ظل مقعد سوريا فيها شاغرا، فبينما تراوحت مواقف غالبية الدول العربية بين الإدانة وإبداء الأسف والتعبير عن القلق، عبرت مواقف الدول الخليجية عن الترحيب والتأييد للعدوان الثلاثي على سوريا، ولم يختلف موقف المملكة العربية السعودية عن موقف جارتها اللدودة دولة قطر في تحميل النظام السوري تبعات العدوان… مما يؤكد أن الوضع العربي قد تدحرج إلى أسوأ مما كان عليه في عهد ملوك الطوائف.
وإذا كان المدير السابق لمكتب التحقيقات الفدرالي ( أف .ب. أي) جيمس كومي قد خصص حيزا كبيرا من مذكراته الصادرة حديثا للإعراب عن قلقه من الضرر الذي تلحقه رئاسة دونالد ترمب بمستقبل الولايات المتحدة، ووصف الرئيس الحالي لأمريكا بأنه “رئيس شرس لا علاقة له بالصدق” و”مدفوع بالأنانية” و”يطالب بالولاء الشخصي له” وأن خدمته تحت إدارة ترمب تذكره بالأيام التي كان يحقق فيها مع رؤساء العصابات وزعماء المافيا حين كان مدعيا عاما سابقا في نيويورك، فإن هذا الرئيس الخامس والأربعين للولايات المتحدة الأمريكية والذي صرح في شأنه عالم الفيزياء الراحل ستيفن هوكينغ مكتشف سر الثقوب السوداء في الكون بأنه عجز عن فهم كيفية وصول دونالد ترامب إلى رئاسة الولايات المتحدة الأمريكية يتصرف مع الزعماء العرب وكأنهم قطيع من البقر في مزرعته، ولم يتردد في شن ضربات صاروخية وتوريط رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي، والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في عملية دوس الشرعية الدولية والاعتداء على بلد مستقل وعضو في هيئة الأمم المتحدة، ففي الوقت الذي كانت الأمم المتحدة تعلن عن إرسال فريق تفتيش دولي للتحقق من حقيقة الهجوم الكيماوي الذي قتل فيه حوالي سبعين شخصا في مدينة دوما السورية، آخر معاقل المعارضة المسلحة في الغوطة الشرقية، والذي تبادلت بشأنه كل من الحكومة السورية والمعارضة تهم المسؤولية عن اقترافه. فقد اقتدى دونالد ترامب بسلفه جورج ولكر بوش الذي غلب في سنة 2003 حجة القوة على قوة الحجة لمهاجمة العراق بذريعة امتلاكه لأسلحة الدمار الشامل، دون انتظار نتائج لجنة هانز بليكس المكلفة من الأمم المتحدة للبحث عنها في العراق، كذلك لم ينتظر دونالد ترامب نتائج تحقيق الفريق الدولي المتوجه إلى سوريا لتوجيه ما أسماه “صواريخ جديدة وجميلة وذكية” لتدمير ما ادعى أنها مراكز إنتاج وإعداد وتخزين الأسلحة الكيماوية في روسيا.
وإذا كان مسؤولو الدول المشاركة في العدوان قد تفاخروا بأن أسلحتهم الحديثة قد أصابت كل أهدافها في سوريا دون التعرض لأية خسائر، إلا أن المصادر السورية والروسية أكدت تدمير عدد كبير من تلك الصواريخ المهاجمة. وقد ذكرت وزارة الدفاع الروسية أن الجيش السوري استخدم للتصدي للعدوان الثلاثي الصاروخي على سوريا منظومات الدفاع الجوي من نوع “إس-125″ التي دخلت الخدمة في الجيش السوفيتي عام 1961 ، و”إس-200″ التي دخلت الخدمة في الجيش السوفيتي سنة 1967، و” سام 6″ التي دخلت الإنتاج في 1967، و”بوك” التي دخلت الخدمة في الجيش السوفيتي عام 1979، أي أن كل الأسلحة التي استخدمها الجيش السوري للتصدي للعدوان الثلاثي الصاروخي على سوريا تعود إلى الحقبة السوفياتية وأغلبها تجاوز نصف قرن من دخوله الخدمة في منظومة الدفاعات الجوية، فلو تصورنا أن روسيا تعامل حليفتها السورية كما تعامل الولايات المتحدة الأمريكية حليفتها إسرائيل التي تزودها بأحدث الأسلحة وتحرص على ضمان تفوقها العسكري، فماذا كان سيحدث لو قامت روسيا بتزويد سوريا ببطاريات أس 300 ـ على سبيل المثال ـ التي دخلت الخدمة سنة 2004، فهل كان دونالد ترامب سيجرؤ على التفاخر بصواريخه الجميلة والجديدة والذكية، ولكن روسيا مازالت مترددة في تزويد سوريا بهذه الصواريخ بسبب اعتراض إسرائيل على ذلك، ومن جهة أخرى لم تستخدم روسيا صواريخها المتطورة الموجودة في سوريا من نوع أس400 للدفاع عن الأراضي السورية وحلفائها من القوات السورية لأن الصواريخ الروسية موجودة في سوريا مخصصة فقط للدفاع عن القوات الروسية وقواعدها العسكرية في سوريا.
وهكذا يتضح أن العرب أصبح خيرهم لغيرهم وشرهم متداولا بينهم، ولذلك يستفيد من انقسامهم وتشتتهم وصراعاتهم الغبية أعداؤهم الصهاينة، وقادة أمريكا الذين يتواصون على تعاقب الرؤساء بابتزازهم وسلب خيراتهم، وقادة روسيا الذين يستعملون حلفاءهم العرب مجرد مطية لبسط نفوذهم وإعادة الاعتبار لهيبتهم الدولية.
بقلم: أ. عبد الحميد عبدوس

عن المحرر

شاهد أيضاً

لعنة اضطهاد الروهينغيا تطارد رئيسة حكومة ميانمار

أ. عبد الحميد عبدوس/ عادت احداث ميانمار لتتصدر الأحداث في مطلع الشهر الجاري (الاثنين 1 …