الرئيسية | أعلام | مقالات | آخر وصايا قائد الطائرة العسكرية المنكوبة

آخر وصايا قائد الطائرة العسكرية المنكوبة

 

حاولتُ جاهدا ألا أكتب عن نكبة الطائرة العسكرية لكنني لم أستطع؛ آثرت هذه المرة أن أجفف محبرتي، وأرسل دمعتي، وأبلل سجادتي، وأمرر استغفاري على الشهداء بحبات مسبحتي، حاولت بكل ما أوتيت من قوة ألا أكتب لكنني لم أسْطِع ولم أستطع.
حين سمعت رسالة ربان الطائرة وهي تتهاوى على تضاريس “بوفاريك”؛ مثلما تتمايل “ورقة الخريف” باحثة عن مستقر لها وهي تختار مدفنها ومقبرتها، بكل استسلام، بين بركة ماء باردة أو تربة جافة جامدة، إذا بكلمات المقدّم “دوسن إسماعيل” صعق عقلي، وتخنق قلبي، وتبعث في جسدي قشعريرة باردة في أحشائي وهو يقول، بكل ثقة وتسْلِيم لله، لمن يكلّمه من برج المراقبة ببوفاريك: “الطائرة تسقط، وأعمل على تجنب وقوعها فوق منطقة آهلة بالسكان” فآثر أن يدفن الطائرة في حقل “للفول” عوض أن يجر معها آلافا من الخلق في عمارات “بني مراد”، أو مركبات “الطريق السيار”.
إنها رسالة ثقيلة، وخطاب مشفر تنأى الجبال عن تحمّلها واحْتمالها، لقد عبّر عن معضلتنا وبعض أخطائنا وشيء من طفوليتنا، -نحن الجزائريون- في بضع كلمات، واختصر طريق النجاة والخلاص في بضع معان وقواعد ولَبِنات، لقد سهرتُ ليلتي أقلب كل لفظة قالها، وكلّ كلمة تلفظ بها، وكلّ معنى أرسله وكأنه لا يخاطب “برج المراقبة” فحسب، ولكنه كمن يلقي أمام ملايين الشهود والحضور قائلا لهم في خطبة الوداع:
– إن الطائرة ليست فقط تلك التي وقعت في بوفاريك أيها الجزائري؛ فالمدرسة التي تديرها طائرة، والحجرة التي تدرس بها سفينة، والمصنع الذي تكسب به لقمة العيش هو أيضا طائرة ومركبة؛ فإن كنتُ، أنا، مسؤولا عن طائرتي المنكوبة الغريقة: فأنت مسؤول عن كل طائرة جزائرية أنت ربانها، وأنت مديرها وراعيها: مدرسة أو متجرا أو وزارة أو إذاعة، أو رئاسة أو نجارة أو حدادة أو صحافة.
– أنا حرصت على طائرتي أن ترفل في السماء، وأن تمشق ناصيتُها عنان الأجواء، لكن قدَرا ربانيًّا أو خطأً بشريا مقدّرا حجبها عن الانطلاق، ومنعها من التحليق والانعتاق، أما عنك فأنا فأستغرب منك سلوكك، أخي الجزائري، أختي الجزائرية، حين تخرق سفينتك بيديك، وحين تسقط طائرتك بإرادتك، فتقتل في الفتيان من حولك الأمل والتفاؤل، وتزرع فيهم الشوك والقنوط والتشاؤم، وتدفعهم ليدلفوا زورقهم للحرقة بين أمواج المتوسط العاتية… فإن فعلتَ فأنت مسؤول عن كل هؤلاء الغرقى يوم الحساب.
– الموت أخي وأختي، فتات على مائدة الحياة، وأنا حين تبينتُ أنها لحظة الموت وموعد الفوات، أردتُ أن أموت وحدي، وأن أحاصر عداد الوفيات؛ فتجنبتُ العمارات والطريق السيار ما استطعت؛ لكنني بكل صدق أنكر على أولئك الأنانيين الفاشلين في وطني؛ ممن حين يحس دنو أجله واقتراب موته، يحرص أن يغتال الجميع معه، وأن يُفْنِيَ الموجودَ كلّه، وأن يستنزف الوطن وأهله.
– آثرتُ أن أدفن الطائرة في قلب متيجة وسهولها؛ لأذكّرك أن خلاصك في أرضك وخيرات وطنك، فأنا قررتُ أن أستحيل ذبالا وموادا عضوية تزيد “متيجة” خصوبة وإخصابا، لتفلحوا وتثمروا وتستثمروا، أما إن تركتموها عذراء موحشة، أو استبحتم عرضها إسمنتا وحديدا فإنكم قد ترحمتم علينا حين متنا، لكنكم لم ترحمونا بعد موتنا، فإنْ رفضتم دماءنا التي سقينا بها هضاب “متيجة” ومزارع الفول هناك لتزداد خصوبة؛ فقد رددتم علينا هديتنا وصدقتنا الجارية، ولن تزدادوا بعدنا إلا استهلاكا لما يثمره لكم غيركم وأعداؤكم؛ واعلموا ببساطة أن إدمانكم على الاستهلاك طلبٌ للهلاك.
– لقد رحلنا عن الدنيا فوق سماء متيجة، ونحن ميمِّمُون شطر “تندوف”؛ لنخلّد في أذهانكم ربوع الجزائر ونرسِّم في عقولكم حدودها ونرسُم أمام ناظريكم جمالها وشساعتها؛ لنذكّركم أن للجزائر جنوبا، فكَمْ من علَم وعالم استنطقوه؛ ليقبل بتقسيم الوطن لكنه رفض وانتفض: من “الشيخ بلكبير” إلى “الشيخ بيوض”؛ لكن أجيال اليوم ارتضت مشروع تقسيم الجزائر إلى شمال وجنوب وشرق وغرب: بجهلها، وضيق أفقها، وفكرها الجهوي الزقوم؛ لقد رحلنا عن الدنيا لنرسم لكم خطا جويا من “بوفاريك” إلى “تندوف”، ولنرسم بدمائنا وجثتنا المتفحمة خطوط الطول ودوائر العرض في هذا الوطن، ولنصل رحما أُريد له أن يتقطع ويتفتت.
– في لحظة الوفاة أجد نفسي الليلة عروسا في ركب الشهداء، أسلِّم على فاطمة انسومر والمقراني والحداد، وأقبّل بن بولعيد وزيغود؛ ونحن في هذا الركب نقول لكل جزائري وجزائرية: لقد اخترنا أن نموت نحن لتحيوا أنتم، وتحيى الجزائر خضراء مورقة، أما دماؤنا وأعراضنا وأسماؤنا فليست للبيع ولا للشراء، لقد اخترنا الموت فقط لتعلموا أن الجزائر سفينة واحدة، وطائرة واحدة، ومركبة واحدة: سواء كنتم موالاة أم معارضة، رعاة أم رعية، فاحيوا جمعا متناغما وقلبا متجانسا، وإذا أزِفت ساعة الرحيل؛ فاندفنوا لتكونوا بذرة حياة لمن بعدكم: تكونوا من الشهداء لحظة الوفاة وإن لم تحظوا بالشهادة.
متفائل أنا اليوم من أبناء الجزائر وقد استمعوا الرسالة، ووعوا، من خلال الأزمة والمحنة، ما لهم وما عليهم، ونحن نشهد تلك اللحمة قد تواشجت، وتلك القلوب قد تناغمت وتراحمت، وكل الرجاء أن يكون اصطفافنا اليوم لصلاة الغائب حدثا ونقطة تحوّل وانعطافا في حاضر الوطن ومستقبله؛ ولكَم ملأ قلبي حبورا وسعادة: مبادرة فنادق مدينة “البليدة” لاستقبال أهالي الشهداء وإيوائهم والتكفل بهم خلال إقامتهم بمدينة الورود لاستلام رفات أبنائهم، فكم هي مشرقة قلوبنا، وكم هي مورقة وخصبة أفئدتنا، وكم هي مؤمنة محتسبة صدورنا وألبابنا؟
لقد غادر المقدم “إسماعيل دوسن” الدنيا فوق سماء الجزائر، وبكل طمأنينة سيلقى ربه، وفي محفل بهيج من الشهداء (257 شهيد) سيتقدمهم ليغرف من حوض النبي محمد عليه الصلاة والسلام وهو يقدّمهم بين يديه صلى الله عليه وسلم واحدا واحدا، في جلسة أنس نبوية يسامرون الشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.

د. طه كوزي

عن المحرر

شاهد أيضاً

غرور المنهج

بقلم: يحي صاري من السهل أن يدعي الإنسان صفة أو علما، أو انتسابا لطائفة أو …