الرئيسية | قضايا و آراء | عودة الجدل حول قضية “إمامة المرأة”! توضيف غربي لإلهائنا عن مسرح الجريمة، ومؤامرة تحاك ضدنا./ محمد مصطفى حابس

عودة الجدل حول قضية “إمامة المرأة”! توضيف غربي لإلهائنا عن مسرح الجريمة، ومؤامرة تحاك ضدنا./ محمد مصطفى حابس

من خداع الفكر التغريبي للأمة، أن يحول من حين لآخر نظرنا عن الرؤية الكلية لمشروعه، ويفتتها إلى مسائل جزئية، يدعي فيها الخلاف الفقهي الذي ينبغي فيه الإعذار، ويصور المسألة وكأنها اختلاف بين العلماء في مسألة فقهية، وهناك العشرات من المسائل الفقهية التي يتم تناولها في هذا الإطار، منها إمامة المرأة للرجال، وولاية النساء، التمثيل، سفر المرأة بدون محرم، والاختلاط في أماكن مشبوهة وبمناسبات مكروهة…! وغيرها من المسائل.

هذه المسائل وغيرها، اختلف فيها العلماء، وتعددت فيها أقوال أهل العلم، وبغض النظر عن قوة وضعف آراء كل عالم في كل من هذه المسائل، لكن ما يجب أن نقف أمامه كثيرا هو: منهج الفكر التغريبي في توظيف هذه الاختلافات لخدمة مشروعه، لإلهائنا عن مهام أخرى أعز وأبجل، فهو يتعامل معنا بطريقة، “صراع الثور مع الطوريرو” كما يشبه ذلك المفكر مالك، إذ الثور يجهد نفسه لضرب الخرقة الحمراء التي لا قيمة لها، ولا يأبه بالسيف الذي يقطع أوصاله، إربا إربا.

الجميع يذكر منذ 12 سنة خلت “الخرجات الأمريكية” وتحويل الأنظار حتى في الأمور الإسلامية بعد إبادة شعب أفغانستان واحتلال ونهب العراق، “يفاجأ” المسلمون في الغرب عموما ولأول مرة في تاريخهم، ذات يوم جمعة الثامن من شهر صفر 1426هـ/ 2005م، بأن “رَجُلة” من النساء تدعى الدكتورة أمينة ودود، خطبت وأمت بعض المترجلات وأنصاف الرجال مختلطين، كان الرجال عن ميامن الصفوف والنساء عن يساره، فيما ادعته صلاة جمعة، في قاعة سوندرام تاغور غاليري الملحقة بكاتدرائية نصرانية بنيويورك، بعد أن منعتها جميع المساجد عن ذلك؛ فعلت كل ذلك بدعوى تحرير المرأة ومساواتها بالرجل، زاعمة أن عدم إعطاء المرأة لحق الإمامة أمر خاطئ متجذر داخل مجتمعات المسلمين، وعلق يومها كثير من العلماء، وحتى من عامة دعاة المسلمين، على بطلان صلاتها وصلاة من كان خلفها، لا جمعة ولا ظهراً، مع الإثم المبين، لأن من شروط صحة الإمامة الكبرى والصغرى، سيما الجمعة، الذكورية، وهذا من الأمور المجمع عليها، وقد تلقته الأمة بالقبول كابراً عن كابر، وقال صلى الله عليه وسلم: “لن يفلح قوم وَلَّوا عليهم امرأة” وفي رواية “وَلَّوا أمرهم امرأة”، قال النووي رحمه الله: (اتفق أصحابنا على أنه لا يجوز صلاة رجل بالغ ولا صبي خلف امرأة…، سواء في منع إمامة المرأة للرجال صلاة الفرض والتراويح وسائر النوافل، هذا مذهبنا ومذهب جماهير العلماء من السلف والخلف رحمهم الله، وحكاه البيهقي عن الفقهاء السبعة، فقهاء المدينة التابعين، وهو مذهب مالك، وأبي حنيفة، وسفيان، وأحمد، وداود).

كما علق على ذلك بعض الأئمة يومها، أن وسائل الإعلام وضفت ذلك لإلهائنا عن ما يحاك للأمة عموما، أما حول ما ابتدعته أمينة ودود هذه، قال بعض الأئمة أن كل ما في الأمر “يدل على كِبْرها، وغطرستها، وجهلها، يدخلها في زمرة المبدلات لشرع الله، الرادِّين لحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعليها وزرها ووزر من همت بذلك من النساء إلى يوم القيامة، لا ينقص ذلك من أوزارهن شيئاً، فهنيئاً لها بذلك، هذا بجانب ما نالته من دعوات ولعائن عباد الله الصالحين”.

واليوم، تخرج علينا قضية أخرى لتلهينا عن مجازر اليمن وسوريا وفلسطين وبورما والقائمة طويلة، إذ تنقل صحيفة لوفيغارو الفرنسية تحت عنوان: “إمامة” دانماركية تزوج المسيحيين بالمسلمات، تسمى شيرين خانكان واسمها قبل أن تسلم آن كريستين، 43 سنة، المولودة من أب سوري مسلم، وأم فنلندية بروتستانتية ترى أن الحجاب اختيار شخصي، وليس أمرا إلهي، وتقول إنها لا ترتديه إلا وقت الصلاة؟!

تحظى من تسمى “الإمامة شيرين الدانماركية” بتعاطف في الأوساط الإعلامية والسياسية الأوروبية، بوصفها داعية “إسلام منفتح ومتسامح وتقدمي”؛ قولها إنها حققت حلما طالما طاردها منذ أن كان عمرها 19 عاما، إذ بنت مسجدا، وتولت إمامته..! والمصيبة أن الأمر أغضب في المدة الأخيرة جاليتنا المسلمة في عمومها، إذ نزلت ضيفة على البرنامج الديني الوحيد في القناة الفرنسية الثانية، الذي يدوم أقل من نصف ساعة كل يوم أحد، وينشطه معد البرنامج مسلم الجزائري…!

وتقول شيرين للجريدة الفرنسية “أنها تدعو منذ كان عمرها 19 سنة لتعزيز حقوق المرأة في الإسلام، ومكافحة التطرف والإسلاموفوبيا في آن واحد، وهو ما بينته -حسب قولها- في كتابها “المرأة هي مستقبل الإسلام”، الذي نشرته دار ستوك.

وتتبجح خبيرة علم الاجتماع بأنها تولت إعلان 24 عقد زواج في مسجدها، نصفها بين نساء مسلمات، ورجال مسيحيين أو غربيين.

وفي حديث لها من داخل مسجدها الذي يحتل شقة مساحتها 250 مترا مربعا في الطابق الأول من إحدى العمارات، التي زُينت جدرانها البيضاء بآيات من القرآن الكريم؛ تؤكد شيرين أن المكان “مفتوح أمام الجميع وللجميع”.

وتستنكر “الإمامة” تجاهل أئمة المساجد التقليديين “مسجدها”، قائلة إن أيا منهم لم يحضر تدشينه في أغسطس/أوت 2016م.

وتأمل شيرين خانكان أن ينجذب “الجيل الجديد” من “الشباب المسلم” إلى خطبها، خاصة بعد أن أصبحت أحد الوجوه المحببة لوسائل الإعلام الدولية، حيث أدرجتها بي بي سي ضمن المائة امرأة الأكثر تأثيرا في العالم عام 2016م.

وأثارت هذه الإمامة كذلك اهتمام الرئيس الفرنسي الشاب إيمانويل ماكرون الذي دعاها في 26 مارس/ آذار الماضي لتنوير تفكيره حول مكانة الإسلام في فرنسا، فحضرت إلى قصر الإليزيه دون حجاب، مدعية أن الحجاب اختيار شخصي، وأنها لا ترتديه إلا وقت الصلاة.

أما عن نهجها في تأصيل ما تروج له، فإن شيرين تقول إنها تقترح “قراءة جديدة للقرآن، بعيدا عن الدوغمائية والتزمت” وأردفت تقول: “أريد أن أثبت أن ممارسة الدين الإسلامي لا تتناقض مع العيش في مجتمع ديمقراطي”.

والعجيب أنها تمتدح الحاخامُ الفرنسيةُ “دلفين هورفيور” قائلة: “إن هذه الإمامة قائدة متنورة يندر وجود أمثالها في أوروبا”!! علما أن في الديانة اليهودية الرسمية والوضعية يحرم على المرأة اليهودية إمامة الرجال، بل تصلي النساء دائما خلف الرجال، ولا وجود لحاخام من جنس النساء، تماما مثلما هو الحال عند المسلمين؛ ومن باب “أمدحني أمدحك” تشيد من جهتها هورفيور “بفضول شيرين ومرونتها وانفتاحها على الأفكار الجديدة وإلهامها..، لكونها تعتبر الدين جزء من حل مشكلة التطرف وليس فقط سببا لها”. وترد شيرين على من يصفونها بأنها “ثورية” بالقول “أنا لست ثورية؛ فالإمامات كن موجودات حتى في عهد النبي محمد صلى الله عليه وسلم”..!، مضيفة أنها “لم تقم إلا بالرجوع إلى الأصول”…!

وبعودة وسائل الإعلام هذه الأيام لإثارة هذا الجدل حول إمامة المرأة للصلاة الذي، بهدف إلى إلهائنا عن هموم أخرى ومؤامرات دولية تحاك في المشرق والمغرب من بيع للمبادئ والثوابت في سوق النخاسة. ما المرجو من الدعوة إلى إقامة صلوات مختلطة الصفوف، وإتاحة “الحق للمرأة” في الإمامة، وإلقاء خطب الجمعة.

موضوع إمامة المرأة في الصلاة حسم من زمان حتى في الغرب، وكون المرأة لا تؤم في الصلاة لا يحمل على أنه منقصة لها، ولا حطا من مكانتها، وإنما هو حكم شرعي راعى موجبات معينة، شرحها بإطناب فقهاء المذاهب والعلماء عبر العصور.

وبالتالي وجب الاقرار بأن الخلاف مع المشروع التغريبي ليس خلافاً في مسائل فقهية، أو في النظر في الأدلة، ومناقشة الراجح والمرجوح، وأقوال العلماء، بل الخلاف معهم -على حد تعبير علماء الأمة- في أصول الدين، والرضا بحاكمية الشريعة الإسلامية وهيمنتها على كل أجزاء الحياة والمجتمع؛ فالمشروع التغريبي يريد أن يفرض على الأمة منهجاً فكرياً، ونمطا اجتماعيا، وسلوكا أخلاقيا مستندا إلى الفكر الغربي، مثلما يبرمج له اليوم في دول الخليج، لإفراغ الإسلام من لبه في تسيير شؤون المجتمع، وإبقاء أحكامه في دائرة الوضوء، والنجاسة ودخول بيت الخلاء، كما قال بعضهم.

والنظرة التجزيئية للمشروع التغريبي هذا، أو حصر الخلاف معه في الخلاف الفقهي المجرد: نقص في التصور الكلي للمشروع، فهو مشروع شمولي، يعتمد على تغيير اجتماعي وسلوكي، قائم على أساس فكري علماني، فهو ليس مشروع اختلاط أو حفلات غنائية أو غير ذلك؛ مما يعد من المعاصي – نعيش مشاهدها اليوم بمرارة في بلداننا الإسلامية- إذا أُخِذ بمعزل عن الرؤية الفكرية الكلية التي ينطلق منها. فالمشروع التغريبي لا ينتظر فتوى شرعية، أو مسألة فقهية، ولكنه يوظف كل ما من شأنه التأثير على المجتمع المسلم الذي لا يقبل أمرا من الأمور، إلا بعد معرفة حكم الله تعالى فيه، وبالتالي تبدو لي أن مسألة توظيف المرأة، من حين لآخر، يجب أن توضع في نصابها، وهي من الثوابت في ديننا، والقضية لها نصوصها، قطعية الثبوت قطعية الدلال، كما يقول الأصوليون، إذ لا يختلف اثنان أن المرأة نصف المجتمع.

هذه حقيقة يعرفها العاقل، ويؤيدها الواقع. يا ليت لو يرجع حكام العرب وغيرهم إلى القرآن الكريم والسنة المطهرة، ليجدوا أنه قد رسم للمرأة شخصية متميزة، قائمة على احترام الذات، وكرامة النفس، وأصالة الخلق. وإذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “النساء شقائق الرجال” فإنه يستمد هذا من هدي القرآن الكريم، لأنَّ فيه آيات كثيرة منه تشعرنا بالمساواة البشرية في الحقوق الطبيعية بين الرجل والمرأة، فهو يتحدث عنها بما يُفيد مشاركتها للرجل، وتحملها للتبعة معه، فيقول عن النساء والرجال: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة: 228].

وقد قيل قديما ولا يزال: “عظمة الرجل من عظمة المرأة، وعظمة المرأة من عظمة نفسها”، وقيل أيضا: “كل عقل الرجل لا يساوي عاطفة من عواطف المرأة”، كما تغنى بعض المعاصرين بوصف المرأة، على أنها “تحفة الكون الرائعة” بل وقد قيل: “إن المرأة كوكب يستضئ به الرجل، ودونه يبيت في الظلام”.

عن المحرر

شاهد أيضاً

المعاملة هي روح التدين الحـــــق..

مداني حديبي/ ألا تتعجب معي لحال ذاك المتدين الذي يلزم الصف الأول ولا تفوته تكبيرة …