الرئيسية | قضايا و آراء | رسالة إلى السلفيين! تساؤلات تبحث عن أجوبة/ علي حليتيم

رسالة إلى السلفيين! تساؤلات تبحث عن أجوبة/ علي حليتيم

أنا مقتنع أن الحركة السلفية المعاصرة قد قدمت للأمة الإسلامية الكثير من الخدمات من خلال حركة محمد بن عبد الوهاب  -رحمه الله، التي أعادت لمفهوم التوحيد اعتباره ومركزيته، أو من خلال بعث العلوم الإسلامية المختلفة كعلم الحديث ورائده في العصر الحديث بلا منازع الشيخ محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله، ومقتنع أيضا أن السلفيين ليسوا كلهم على شاكلة واحدة، ففيهم العدول، وفيهم العلماء، وفيهم كثير من الأفاضل، وفيهم مجاهدون في سبيل الله، وفيهم جماهير يحبون الله ورسوله، لكن الجماعة التي تتصدر المشهد وتقود المسيرة كما يراها المسلمون في مصر والسعودية والجزائر وليبيا واليمن وغيرها لا تقدم صورة مشرفة عن هذه الحركة، ولا عن التيار الذي تدّعي الانتساب إليه؛ كيف لا وقد غلب على فكرها التطرف والشذوذ، وعلى سلوكها العدواني والخروج عن سواد المسلمين، وغلب على قادتها التكبر والتعالي، والعجب والغرور، والجهل وبذاءة اللسان، والانخراط في خطط مشبوهة لا ندري كل تفاصيلها؛ لكننا نعلم يقينا أن طرف خيطها الأول عند أعداء الإسلام لأننا نرى هؤلاء الشيوخ يحرصون على ألا يقولوا كلاما جارحا في الأمريكيين، بل ينعتونهم بنعوت السلام، ويحرصون كذلك ألا يقولوا كلمة واحدة في حق القتلة والمجرمين الذين يقتلون المصلين في مصر وليبيا وسوريا واليمن وغيرها .

ماذا قدمت الحركة السلفية المعاصرة للعلوم الإسلامية؟

إن الفهم الخاطئ للسلفية الذي وقع فيه هذا التيار جعله ينأى عن أي تجديد أو إبداع في العلوم الإسلامية، فباستثناء العمل التاريخي الموسوعي البارع في علوم الحديث الذي قام به الشيخ الألباني لا ينكره إلا جاهل ضيق الصدر والنظر، باستثناء هذا وبعض الأعمال الأخرى القليلة، فإن الغالب على كتابات هذه الحركة هو التكرارية في الأسلوب والمواضيع والمضامين.

فإذا قرأت لهم كتابا في نقد الشيعة فسيغنيك عن مئات الكتب من أمثاله، وإذا اطلعت على كتاب في الفقه فعد نفسك قد قرأت جل كتب الفقه السلفي دون خوف أن يفوتك علم كثير؛ وفي تلك الكتب ستجد قدرا غير قليل من التعدي على علوم الأولين، وعزوها لأنفسهم وشيوخهم، فلا تجد في كتب الفقه نسبة الأقوال إلى أصحابها من الأئمة أو حتى الصحابة. بل يعزونها لشيوخهم رغم أن الأمانة العلمية تقتضي أن ينسب القول إلى قائله الأول، والسلفية تقتضي أن ينسب القول إلى السلف لا إلى القرن الرابع عشر والخامس عشر، حتى إن علماء السعودية ليخفون انتسابهم لمذهب الإمام أحمد خوفا من سفه السفهاء الذين لا يعرفون إلا كلمة كتاب وسنة…!

لقد كان الإمام الشافعي من أئمة السلف، وأبدع علم أصول الفقه، وكان الشاطبي إماما وأبدع الاعتصام والموافقات، وكان العزّ بن عبد السلام إماما، وأبدع قواعد الأحكام؛ لكن هؤلاء فهموا أن الإبداع ابتداع فحاربوا المبدعين، وعطلوا مسيرة التجديد الإسلامي لعقود.

فكيف السبيل للتعامل مع هذه الحركة؟ وكيف السبيل  للمخلصين فيها كي يحرروها من التيه والسلوك الانتحاري الذي تسلكه منذ حرب الخليج الأولى؟ وحتى اليوم؟

لا شك أن الإجابة عن هذا السؤال الكبير، سيجرنا أولا إلى محاولة فهم هذه الحركة من الداخل على المستوى العقدي والفقهي والاجتماعي، للإمساك بخيوط المنظومة الفكرية والسلوكية التي تنظم أفراد هذه الحركة العابرة للبلدان والقوميات، وإدراك سر جاذبيتها التي لا تقاوم لدى شباب المسلمين.

وفي المقام الثاني علينا أن ندرس “السلفية الجهادية”؛ ونعرف الدوافع التي أدت إلى اندلاع أحداث سبتمبر 2001م، والعشرية السوداء في الجزائر، وحرب أفغانستان قبل ذلك، للاقتراب من ثنائية العنف/ الولاء في الفكر السلفي المعاصر.

وعلينا في المقام الثالث أن ندرك الحركة السلفية المعاصرة في بعدها السياسي، فلا شك أن لهذه الحركة التي يشنع علماؤها على السياسة والسياسيين، ويجرمون الحزبية والانتخابات، ويكفرون البرلمانات، ولا يجيزون المسيرات والمظاهرات (التي أذن بها ولي الأمر)، لا شك أن لها دورا سياسيا ما رسمته لنفسها أو رُسم لها، بدليل أنها تحولت إلى ظاهرة عالمية تحظى برعاية الدول والهيئات ودراسة المراكز البحثية ووزارات الخارجية، والسفارات، ولرأيها وزن كبير في بقاء أو زوال الحكومات؛ دون أن ننسى الدور السياسي المباشر الذي لعبته الحركة السلفية في مصر قبل وبعد الانقلاب على الرئيس محمد مرسي.

لم يحدث في تاريخ الإسلام كله أن أقامت جماعة من المسلمين عقيدتها ومذهبها على تزكية الحاكم والولاء له في كل شيء، حتى في اجتهاداته الفقهية، والسكوت على مظالمه وضلالاته، وتحريم الخروج عليه (حتى بالقلب..!)؛ بل كل ما في الأمر أن جمهور العلماء من أهل السنة والجماعة قد منعوا الخروج بالسيف بعد وقعة الحرة، ووقعة دير الجماجم، لكن تاريخ الإسلام مليء بالخصوم بين العلماء والحكام منذ زمن الصحابة والسلف الأولين.

فقد ضُرب الإمام مالك وسجن أبو حنيفة النعمان وشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله إلى حوادث لا يأتي عليها الحصر، ولم يرفع العلماء الحكام إلى ما رفعه إليه هؤلاء، ولم يحلوا لأنفسهم السكوت، ولا أن يصيروا صنيعة في يد السلطة؛ بل كانوا يرون أنفسهم في مقام أعظم من مقام كل الملوك إن هم بلغوا عن الله تعالى، وبينوا ولم يكتموا أو يحرفوا، وفي مقام علماء اليهود إن هم سكتوا وحرفوا قول الله تعالى:{وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ۖ فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ}[آل عمران: 187].

فليس كل من ينتسب إلى مذهب يعرفه، وليس كل من يعلن سلفيته يدرك أبعاد ما يقول، وليس كل من يقول ذلك تبلغ به همته أن يلتزم به، فإن الانتساب إلى السلف خلق وعبادة، وفهم وسلوك لا يبلغه أكثر المدعين.

أما عن معرفتهم بالمذاهب الأخرى فإنهم يحرمون قراءة كتب غيرهم، فكيف يعرفونهم؟ ولذلك تجدهم يخرجون الصوفية من أهل السنة وهم لا يعلمون أن اسم الصوفية يجمع طوائف شتى من الناس من الزنادقة الحلوليين إلى أصحاب البدع، ثم إلى الصوفية المسددين الذين هم أئمة المسلمين كأبي القاسم الجنيد وعبد القادر الجيلاني وغيرهما من الأئمة؛ ولو قرأ أحدهم فصول التصوف التي كتبها شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى لما تجرأ على مثل ذلك الكلام أبدا.

هل يمكن أن ندعو لحوار إسلامي مع إخواننا لننقذ ما يمكن إنقاذه من أخوتنا التي هي واجبنا الذي أمرنا الله به، وقدرنا المحتوم إن أردنا أن نخرج من واقع الهزيمة التي نصنع أسبابها كل يوم؟

لا شك أن الحوار صعب مع جماعة يروننا كلنا جهلة ورويبضة، وغير ذلك، ويحرمون قراءة كتب المخالفين، ويتطاولون حتى على أئمة الإسلام في القديم، لكننا نحن كذلك لنا قدر كبير من المسؤولية إما بجهله (بعض الحمقى يتطاول على الحديث الشريف باسم الوسطية وفقه الواقع)، أو حمقه أو تعصبه وسوء خلقه، ولعل الله عز وجل يجعل لنا من هذا الضيق فرجا ومخرجا وأفقا واسعا لحوار علمي أخوي ينتصر للحق والدين.

أختم بكلمة عن التبديع: إذ يقول هؤلاء الإخوة أنهم حين يرمون الأشاعرة بالبدعة فإنهم إنما يعبرون عن قناعتهم؛ ونحن نقول: إن من حقهم أن يقتنعوا أن الأشاعرة ليسوا من أهل السنة، لكن العدل يقتضي أن تقدموا أدلتكم على ذلك، فقد سبق أن تحديناكم أن تأتوا بأدلة على قولكم إن مذهب السلف، وهو إثبات الصفات الخبرية لله عز وجل، ونحن ننتظر منذ عام دون نتيجة. في حين قدم الأشاعرة عشرات الأدلة الجلية على أن مذهب السلف هو التفويض (تفويض المعنى)، حين ترمون غيركم بالبدعة، فمن القسطاس أن تعطوا لغيركم الحق أن يقولوا فيكم رأيهم هم كذلك.

هل من يقول إن جهاد الأمريكيين في العراق لا جدوى ترجى منه؟ وأنه كان على من يريد مجاهدتهم أن يجاهد البعثيين الكفار قبلهم، فيعطل فريضة لمجرد الهوى من أهل السنة؟

هل من يسكت على مجازر “السيسي”، بل ويؤيده ويدعو إلى طاعته، وهو الذي يوالي اليهود، ويحكم بغير ما أنزل الله، ويسعى لهدم أركان الدين من أهل السنة؟

هل من يسكت على إغداق حكام الخليج بمئات الملايير على النصارى الذين يقتلون المسلمين، ويسكت على إقامة الكنائس ومعالم الهندوس وأوكار الدعارة في جزيرة العرب من أهل السنة؟

هل من يسكت على اعتبار علماء الإسلام إرهابيين، والحكم عليهم بالإعدام من أهل السنة؟

هل من يحارب المسلمين في ليبيا جنبا إلى جنب مع خليفة حفتر حليف اليهود الذي يريد أن يقيم دولة علمانية في ليبيا من أهل السنة؟

أسئلة تريد جوابا وبيانا لا سكوتا وتدليسا.

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

فلسطيــــــن محـــــور الصـــــراع

أ. محمد الحسن أكيلال/ الولايات المتحدة مصرة على الهيمنة رغم كل ما لحق بالولايات المتحدة …