الرئيسية | أقلام القراء | الجزائر والدرس الكردي..!/ علي حليتيم

الجزائر والدرس الكردي..!/ علي حليتيم

كان منظر القوات الأمريكية والكردية، وهي تسير جنبا إلى جنب تجاه الموصل لإبادة وتشريد المكون السني العراقي مفاجئا لكثير من المحللين الذين لا يزالون ينظرون إلى العلاقات الأمريكية التركية بمنظار العهد الأتاتوركي؛ حيث كانت العلاقات الاستراتيجية بين البلدين تبدو استراتيجية أبدية تعلو على الظروف والمشكلات.

لكن الزمن الذي كانت فيه الولايات المتحدة الأمريكية تغض الطرف عن المسح التركي للهوية الكردية قد ولىّ، وغدا الأكراد جنب الشيعة “سلاح الأمريكان الأول” في استراتيجياتهم في المنطقة، وفي تركيا نفسها.

لم تعد حاجة أمريكا لتركيا بنفس القوة في الماضي بعدما أنجز الطورانيون المهمة جيدا بإسقاط الخلافة الإسلامية، وإقامة دولة علمانية على النمط الغربي، والوقوف مع الغرب سياسيا وعسكريا ضد السوفيات، وإبان الحرب الباردة، فكان سهلا على الغرب أن يغض الطرف عن الممارسات التركية بحق الأكراد ولو بعد حين.

لم تكن المسألة الكردية مطروحة في ظلّ الخلافة العثمانية الإسلامية التي كانت قائمة على المواطنة الإسلامية التي تعلو على كلّ الأعراق والأجناس، بل وتستوعب حتى اليهود والنصارى الذين لم يذوقوا الأمان إلاّ في دولة الإسلام في تركيا والأندلس. لكن لما وصل العلمانيون الطورانيون إلى السلطة أعلنوا سياسة قومية متطرفة، ونكث كمال أتاتورك كلّ عهوده التي قطعها للأكراد، وبدأت سياسة التتريك الشاملة القائمة على منع استخدام اللغة الكردية في مؤسسات الدولة، وتغيير أسماء المدن والقرى، وإجبار الأكراد على التسمي بالأسماء التركية، وتهجير الأكراد نحو المناطق التركية لغرض إدماجهم، وحل الأحزاب ذات التوجه الكردي، حتى وصل الأمر بكمال أتاتورك إلى تسميتهم بـ:”أتراك الجبل” وإنكار الهوية الكردية كلياً.

لكن الأمور تغيرت اليوم بشكل كامل، وغدا الأكراد هم الذين يحاصرون الدولة التركية بكيان شبه مستقل في شمال العراق يحظى بالحماية البريطانية والأمريكية في “الملاذ الآمن” بعد حظر الطيران في حرب الخليج الأولى 1991م -الذي لا يزال ساريا عملياً إلى اليوم- وبدؤوا منذ سنوات يحاصرونها في شمال سوريا عن طريق قوات سوريا الديمقراطية التي هي ميليشيا كردية تعتمد في جزء من قواتها على عناصر حزب العمال الكردستاني، وهو أهم فصيل كردي مسلح متمرد في تركيا، مع ضمان تسليح كثيف من الولايات المتحدة، ومرافقة ميدانية من خبراء عسكريين فرنسيين.

لكن السؤال المطروح هو: لماذا لم تتحرك تركيا في الوقت المناسب ضد أكراد سوريا وتركتهم ينظمون أنفسهم ويسيطرون على مناطق واسعة في الشمال السوري؟

إنّ التأخر التركي الخطير يعود لعاملين أساسين:

1/ العامل الخارجي الدولي الذي ليس هو موضوعنا اليوم والعامل الداخلي المتمثل في الجيش التركي الذي كان ولا يزال جزئيا تحت سيطرة العلمانيين، وكان يرفض أن يخرج عن الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة ولو على حساب مصالح بلده، ويريد أن يبقي المشكلة الكردية قائمة كعامل إضعاف لحكومة حزب العدالة والتنمية بزعامة أردوغان الذي أعلن في مارس 2006م من ديار بكر، وهي معقل الأكراد عن الاعتراف التام بالهوية الكردية، وجملة من الإجراءات لرد المظالم، ومحو جراحات الماضي التي تسبب فيها العلمانيون الطورانيون.

كان حزب العمال الكردستاني يقوم بحرق أو تفجير المنشآت التي تقوم بإنجازها الحكومة التركية على أساس إبقاء المنطقة في عزلة، وإذكاء مشاعر الغضب الكردية ضد الحكومة المركزية، وكان يرفض بشدة سياسة التعليم الشامل في القرى على أساس أن التعليم سيؤدي إلى حركة بشرية، وتواصل بين الأتراك والأكراد من شأنه أن يزيل الاحتقان، ويغير من القوالب النمطية من الجانبين، وهو ما لم يكن يريده حزب العمال الكردستاني، بل وصل الأمر كما حدثني صديق تركي مطلع على خبايا المسألة الكردية أن المخابرات التركية التي كانت فيما مضى تحت السيطرة الأمريكية التامة، بل كانت رواتب قياداتها تصرف من أمريكا، كانت تبعث ميليشيا تقوم بضرب مواقع الجيش التركي من داخل القرى الكردية، فيقوم الجيش التركي بالمقابل بقصف القرية مما يوقع الضحايا، ويذكي العداوة ويرفع أصوات المطالبين بالانفصال.

لكن الأمور تغيرت بعد الانقلاب العسكري الفاشل منذ عامين تقريبا وأصبح الجيش التركي تحت سيطرة الحكومة بشكل كبير مما مكن الحكومة التركية من التصدي بكل حزم لأكراد سوريا المدعومين أمريكيا وفرنسيا، ولأكراد الداخل الذين فقدوا الآن قاعدتهم الشعبية بعد سياسة التنمية الواسعة التي قامت بها حكومة أردوغان، وإذا حدثت أي تركي الآن حتى الأكراد منهم فسيقول لك إن الانفصاليين لا يمثلون أكثر من عشرة بالمائة من مجموع الأكراد العشرين مليونا في تركيا والأكراد اليوم في ديار بكر يعتزون بهويتهم الكردية وبمواطنتهم التركية ويطلبون حماية الدولة والجيش ضد إرهاب حزب العمال الكردستاني.

بقي على الجزائر اليوم أن تفهم على ضوء الدرس الكردي الخطط الفرنسية لتقسيم الجزائريين إلى عرب وأمازيغ، وهي الخطة الخطيرة ذات الأبعاد السياسية والثقافية والاقتصادية التي وجدت عملاءها في الداخل، والتي شرحها غيري من كتاب “البصائر” وحذر منها -إن كان لابد من التحذير- فضيلة الشيخ الرئيس الدكتور عبد الرزاق قسوم.

فلننتبه قبل فوات الأوان، ولات ساعة مندم!

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

سلسلة تاريخ الحلقات العلميّة في ورقلة/ إبراهيم بن ساسي

في هذه الإطلالة الموجزة وفي هذا الشهر الرّمضاني الكريم نورد — إن شاء الله — …