الرئيسية | كلمة حق | افتتاح الدورة الرابعة والثمانين لمؤتمر مجمع اللغة العربية بالقاهرة/أ.د. عمار طالبي

افتتاح الدورة الرابعة والثمانين لمؤتمر مجمع اللغة العربية بالقاهرة/أ.د. عمار طالبي

افتُتح المؤتمر يوم 15 رجب 1439هـ، الموافق لـ: 2 أبريل 2018م؛ وموضوعُه: «حمايةُ اللُّغةِ العربيَّةِ: التَّحدِّياتُ .. الوسائلُ .. الأهدافُ»، افتتحه الأستاذ الدكتور حسن محمود الشافعيُّ؛ رئيسُ المَجمَعِ، وذلك في قاعة الاجتماعات الكبرى بمبنى المَجمَعِ بالزمالك – القاهرة.

وقدَّمَ الأستاذ الدكتور عبد الحميد مدكور -الأمينُ العامُّ للمَجمَعِ- أعمالَ المَجمَعِ فيما بين المؤتِمرِين، ومَناشطَه المتعدِّدةَ في اليوم التالي 3 أبريل 2018م، نُوقشت مصطلحاتُ الطِّبِّ والرياضيات والكيمياء والصيدلة، التي قدمتها لجانٌ متخصِّصةٌ للنظر فيها، ثم ألقيت محاضرتان: الأُولى عن التخطيط اللغوي، ودَورِه في حماية اللغة العربية، ألقاها الأستاذُ الدكتور محمود السيد، وبدأها بأنه لا يُمكنُ لأيِّ عربي أن يتعرَّفَ أوامرَ ربه ونواهيَه ما لم يكن متمكنًا من لغته العربية؛ ففَهمُ الدين متوقِّفٌ على إتقان لغة القرآن الكريم، والتمكنِ من معرفة أسرارِها وخصائصها، وكذلك فهمُ تاريخِ الأمَّةِ وتراثِها، والعامِّيَّاتُ عاملُ تفريق بين أبناء الأمة، في حين أن الفصحى هي الجامعُ والعُروةُ الوثقى الموحِّدةُ، وقد قال محب الدين الخطيبُ رحمه الله:

لبَّيكِ يا أرضَ العروبةِ واسمَعي    ما شئتِ مِن شَدوي ومِن إنشادي

أنا لا أُفرِّقُ بين أَهلِكِ إنَّهـــــم     أهــــلي وأنتِ بلادُهــــــم وبــــلادي

وشتَّانَ ما بين ماضينا الموحَّدِ وحاضرِنا المفرَّقِ؛ فاللغة هي التاريخ، وهي الوجود ذاتُه، تتوقف حياتها ورُقيُّها على حياةِ الأمَّةِ ورقيِّها؛ فالتحدياتُ التي تواجه هذه اللغةَ منها ما هو خارجيٌّ قديمًا وحديثًا، فقد عمَدَ الاستعمارُ الفرَنسيُّ في الجزائر إلى محاربتها حربًا ضَرُوسًا، وفي سوريا ولبنان، والإنجليز فعلوا ذلك في مصر وفلسطين والعراق، واليومَ ظهر السعيُ لاستبعادها من استعمالها في الأمم المتحدة مِن بين اللُّغاتِ السِّتِّ المعتمدةِ فيها، وفي المنظمات التابعة لها، بحجة أن بعض الدول العربية لا تلتزمُ بدفع التكاليف لاستعمالها، وعدم التكلم بها بالنسبة لممثِّليها في الأمم المتحدة، وعدم وجود مترجمين أكفياء.

ومن التحديات السعيُ لنظرية اللهجات العامية وإشاعتُها، وسعيُ بعض الاستعماريين اليومَ لإثارة التفرقة على أساس بعض اللهَجاتِ المحليةِ، كما تجد ذلك في بعض الوثائق للخارجية العربية: «إن برنامج شمال إفريقية -كما يُدرَّسُ اليومَ- كلُّه تزييف وتحريف، ويجب على البربر أن يتَّحِدوا ضد جريمة نكراء اسمها العروبة».

وفي المؤتمرِ الذي عُقِدَ في جزيرة جَربة بتونس في سنة 2011م تحت شعارِ: «الشعبُ الأمازيغيُّ في الطريقِ إلى الحريةِ»، ومنع منظموه استعمال اللغة العربية في المؤتمر؛ لأنها لغة الاحتلال، في حين سمحوا باستعمال اللهجات العامية المحلية.

لا ضيرَ في عقد مؤتمرٍ، ولكن لماذا هذه العداوةُ للِّسان العربي؟ لغة القرآن الكريم الجامع بين كل الأجناس والأعراق، ولا يُعادَى أيُّ لغةٍ أو لهجةٍ غيرِه؟!

ومن التحدي اعتمادُ اللغة الإنجليزية في جنوب السودان بعد انفصاله، واستبعادُ العربية، وأمدت أمريكا والكِيانُ الصهيونيُّ جنوبَ السودانِ بمدرِّسين للُّغة الإنجليزية، ويقوم الصهاينةُ اليوم في فلسطين بعبرانية علامات الطريق وأسماء المناطق، وإزالة الأسماء العربية.

أما التحديات الداخلية؛ فإنه من العجيب أن ما عجز عنه الاستعمارُ ولم يُحققه؛ من فرض لغته، وإبعاد العربية، قام بتحقيقه بعضُ العاملين في حقل التربية والتعليم والثقافة؛ مِن التعلق باللغة الأجنبية، والدفاع عنها دفاعًا مستميتًا، والاعتراض على قرارات التعريب في التعليم والإدارة، وفي مختلف المؤسسات الاقتصادية وغيرها، ومخالفة الدساتير التي تنص على أن اللغة العربية هي اللغة الرسمية للبلاد.

ومن التحديات دعوةُ بعض الناس إلى كتابتها بالحروف اللاتينية، وإلى كتابة العامية بالحروف اللاتينية، وعدد من المشرفين على التعليم العالي من إداريين وأساتذة يتحيزون إلى اللسان الأجنبي الفرَنسي أو الإنجليزي، ويقفون في وجه العربية واستعمالها في تعليم العلوم الدقيقة وغيرها.

وأصبح التعليم العالي قلعة حصينة يحرسها المتعصبون للِّسان الأجنبي وثقافته، وفي دول الخليج العربي يدرسون في هذه الجامعات المواد العلمية بالإنجليزية، وكذلك في المدارس الخاصة، وجيء بمدرسين أمريكيين وبريطانيين؛ لتدريس المواد العلمية بالإنجليزية في التعليم العام في بعض أقطار هذا الخليج الذي يسمى بالعربي.

– نسبة 87% في دول المشرق العربي تدرس العلم باللغة الإنجليزية.

– نسبة 88% في دول المغرب العربي تدرس العلوم باللغة الفرنسية.

– نسبة 9% فقط، تدرس العلوم باللغة العربية.

بالإضافة إلى تدنِّي مستوى تعليم العربية باستعمال “العامية”، واستبعاد العربية عن الواقع؛ باستعمال الألفاظ الأجنبية في اللافتات والعارضات والمحلات التجارية والشوارع والشركات والمصانع والفنادق والمطاعم والمقاهي والمسارح والمسلسلات الإذاعية والمتلفزة والإعلانات، وفي بعض المؤتمرات التي تعقد في بعض البلدان العربية تستعمل فيها اللغة الأجنبية فقط.

هذه التحديات الخارجية والداخلية من شأنها تدمير الهُويَّة وتشويه الوطن، ولا يتم إزالة هذا الغَبن والهوان إلا بالتخطيط اللغوي؛ وهو عمل منهجي لإحداث تغيير في النظام التعليمي اللغوي، ودراسة المشكلات التي تواجه اللغة، وهي السياسة اللغوية التي من شأنها أن تواجه هذه التحديات بطريقة علمية واضحة ورؤية شاملة؛ بإعلاء شأن اللسان العربي، والحفاظ عليه أداةً للتقدم العلمي والتِّقني، وتعزيز الوعي بأهمية هذا اللسان الجامع، والحرص على نشره في ميادين الحياة الواقعية، ومنح الصدارة والأولوية لهذه اللغة في البحث ومخاطبة الناس، والاعتزاز بها، وتكامل التخطيط اللغوي، والتخطيط التربوي، والتخطيط الثقافي في استراتيجية بعيدة المدى. فاللغة وعاء الأفكار والتواصل الشفوي والكتابي والحوار، وممارسة القراءة والاطلاع والبحث لتنمية المجتمع وثقافته، ولا يمنع ذلك التنوع اللغوي.

فإن لم تتحكم فيه الدولة بسياسة حكيمة، فإنه يؤدي إلى نزاع وصراع، وهذا مما لا يسمح به، لأنه يؤدي إلى تفكك المجتمع وتصدعه، ولذلك فإنه يجب تحديث البرامج اللغوية، وتوحيد الجهود لتحقيق ذلك، وتحديد السياسة، وموقع المدارس الخاصة والجامعات الخاصة وفروعها، لكي لا تُكوِّنَ لنا نخبة منفصلة عن المجتمع، ومعادية للغته وثقافته ودينه، وهو أمر خطير لا بد من تحديد الموقف السياسي والثقافي منه.

عن المحرر

شاهد أيضاً

الأستاذ محفــــوظ سماتي فـي ذمــــة الله

أ د. عمار طالبي/ فجعنا هذه الأيام بوفاة أستاذ جامعي متميز وعالم من علماء الاجتماع …