الرئيسية | وراء الأحداث | مسيرة العودة الكبرى تسقط مشاريع تصفية القضية الفلسطينية/ عبد الحميد عبدوس

مسيرة العودة الكبرى تسقط مشاريع تصفية القضية الفلسطينية/ عبد الحميد عبدوس

مثلت الجمعة الثانية 20 رجب 1439هـ، الموافق لـ: 6 أفريل 2018م من مسيرة العودة الكبرى درجة عالية من درجات الإبداع الفلسطيني في أساليب المقاومة وصور الرفض الشعبي لواقع الاحتلال ومخططات تصفية القضية الفلسطينية، وكلما ارتفع عدد شهداء مسيرة التحرر، كلما تعزز العزم الفلسطيني على استعادة الحقوق الوطنية المغتصبة، وإقامة الدولة الفلسطينية  المستقلة.

لقد كان إحياء الذكرى الثانية والأربعين ليوم الأرض هذه السنة يوم 30 مارس 2018م حدثا تاريخيا متميزا في مسيرة النضال الفلسطيني الذي لم ينقطع منذ سبعين سنة، حيث شارك آلاف الفلسطينيين من  شباب ورجال وشيوخ وأطفال ونساء وفتيات في “مسيرة العودة الكبرى” التي نظمتها “اللجنة التنسيقية العليا لمسيرة العودة الكبرى” التي تضم مختلف الفصائل والقوى الوطنية الفلسطينية.

والمفارقة أنه قبل حوالي أسبوعين من انطلاق فعاليات مسيرات العودة الكبرى، كانت نذر الصدام بين أبناء حركتي فتح وحماس تخيم على أفق الواقع الفلسطيني، خصوصا بعدما سارع رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس في كلمة له بمدينة رام الله إلى اتهام حركة حماس بمحاولة تفجير موكب رئيس الوزراء رامي الحمد الله، بل حملها صراحة مسؤولية ما أسماه: ” الحادث الآثم الحقير الذي قامت به حركة حماس ضدهم في قطاع غزة”، وأكد: “لا نريد تحقيقا منهم (حماس)، ولا نريد معلومات منهم، ولا نريد منهم شيئا، لأننا نعرف تماما أنهم الذين ارتكبوا هذا الحادث”؛ ولكن الوحدة الفلسطينية تجسدت في أروع صورها في مسيرة العودة. فقد توافدت صباح الجمعة 30 مارس2018م الجموع الغفيرة التي رفعت الراية الفلسطينية في مسيرة سلمية منضبطة إلى المناطق القريبة من الشريط الحدودي في الجهة الشرقية من قطاع غزة. لقد سار أبناء فلسطين البواسل بصدور عارية وبشجاعة نادرة، نحو السياج الفاصل بين غزة وفلسطين المحتلة عام 1948م، وهم يدركون أنهم سيواجهون جنود إسرائيل المدججين بأحدث الأسلحة الحربية الفتاكة والمتحصنين وراء إسمنت وأسلاك الجدار الأمني العازل، وبالفعل فقد قام جنود الاحتلال الصهيوني بارتكاب مجزرة حقيقية، وقتلوا وجرحوا بدم بارد مئات المتظاهرين الفلسطينيين السلميين المتمسكين بحقهم المقدس والقانوني في العودة إلى أراضيهم التي هجروا منها ظلما وعدوانا .

هذه الجريمة البشعة كانت محل فخر من طرف رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي أشاد بالجنود الإسرائيليين الذي قال إن “الجنود يحمون الحدود ويمكنون الإسرائيليين من الاحتفال بعيد الفصح بهدوء” ، أما إدارة دونالد ترامب فلم تتردد في استخدام الفيتو في  مجلس الأمن لعرقلة إصدار بيان يدعو إلى «تحقيق مستقل وشفاف» ويؤكد حق الفلسطينيين في الاحتجاج السلمي.

والجدير بالذكر أن قرار ترامب الأخرق والعنصري واللاشرعي بالاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، ونقل السفارة الأمريكية إليها في شهر ماي المقبل، تمهيدا لتطبيق مشروع “صفقة القرن” التي تتضمن إسقاط حق العودة وتصفية قضية اللاجئين، هو الذي فجر الغضب الفلسطيني وأعطى كل ذلك الزخم والقوة لفعاليات مسيرة العودة التي من المقرر أن تستمر إلى 15 ماي المقبل الذي يوافق الذكرى السبعين لاغتصاب فلسطين، هذه المسيرة المباركة التي أصابت الصهاينة بالهستيريا والذهول، وفاجأت بضخامتها حتى المنظمين، جعلت الهيئة المنظمة تؤكد أن حراكها الشعبي دفن صفقة القرن المشبوهة للأبد وذلك بفضل إصرار وعزم أبناء الشعب الفلسطيني على مواجهة كافة مشاريع تصفية القضية الفلسطينية.

وفي مقابل الإصرار والعزم والإقدام الفلسطيني، برز التخاذل والعجز والتواطؤ العربي، فبعد خمسة كاملة من إراقة الدم الفلسطيني، عقد مجلس الجامعة العربية على مستوى المندوبين الدائمين اجتماعا طارئا برئاسة السعودية، “لبحث جرائم الاحتلال بحق المتظاهرين السلميين في غزة”.

ومن المضحك المبكي أن المملكة العربية السعودية التي ترأست الاجتماع الطارئ للجامعة العربية، كانت في الليلة التي ارتوت فيها أرض فلسطين بدماء شهداء مسيرة العودة تسهر مع أغاني المطرب المصري تامر حسني الذي استضافته الهيئة العامة للترفيه السعودي يوم مارس30، والذي أكدت ” أنه تم اختياره بناءً على طلب جميع أطياف وأعمار الشعب السعودي لأنه فنان جلب بمفرده أكثر من 100 ألف شخص في ليلة بمدينة الملك عبد الله بجدة، وغنى ما يقرب الساعتين ونصف مع جمهور يحفظ أغانيه حرفا بحرف عن ظهر قلب”.

وإذا كان الترفيه قد حط رحاله بالمملكة العربية السعودية بعد طول جفاء، وتنتظره ـ على ما يبدو ـ أيام زاهرة تحت حكم الملك سلمان بن عبد العزيز وولي عهده الأمير محمد الذي يتصرف كملك حقيقي، فإن مصر التي استضافت اجتماع الجامعة العربية فوق أراضيها، كانت بدورها غارقة في أجواء الاحتفال بفوز رئيسها “المعجزة” عبد الفتاح السيسي بولاية رئاسية ثانية، ولم تتأخر السفارة الإسرائيلية في القاهرة بتوجيه التهنئة المقرونة بالدعاء للسيسي الفائز في انتخابات بنسبة خرافية تفوق 97 بالمائة، وكتبت في صفحتها الرسمية:” السفارة الإسرائيلية بالقاهرة تهنئ السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي بفوزه بفترة رئاسية ثانية أدامه الله عونا لوطنه وحافظا لأرضه”.

ولم تصبح إسرائيل في عهد الرئيس السيسي الذي تعتبره بمثابة “كنز استراتيجي” تخشى غضب مصر  بسبب ما يلحق بالفلسطينيين من قمع وتقتيل، ولكنها أصبحت تشركها في الضغط على المقاومة الفلسطينية وتستخدم رئيس جهاز المخابرات المصرية لتبليغ ونقل رسائل التهديد والوعيد إلى الفلسطينيين.

فقد قالت الإذاعة الإسرائيلية الرسمية يوم الأربعاء 4 أفريل الجاري، إن رئيس جهاز المخابرات العامة المصرية بالوكالة اللواء عباس كامل، التقى الثلاثاء رئيس جهاز الشاباك الإسرائيلي نداف أرغمان في مدينة تل أبيب. وأن أرغمان نقل عبر المسؤول المصري رسالة إلى حركة حماس، حذّرها فيها مما أسماه “المساس بالجدار الأمني واستمرار الاستفزازات”، وفق تعبيره. وبحسب المسؤول الإسرائيلي فإن “الجيش لن يتسامح مطلقا مع أي محاولات للاقتراب من السياج والإضرار به”.

أما ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان فقد قال في مقابلة مع مجلة (ذي أتلانتيك) الأمريكية إنه “يعترف بحق اليهود في وطن قومي في إسرائيل”. إن المملكة العربية السعودية تتقاسم الكثير من المصالح مع إسرائيل، وأدرج ابن سلمان النظام الإيراني وجماعة الإخوان المسلمين وتنظيمي القاعدة والدولة الإسلامية ضمن ما سماه مثلث الشر الذي يحاول أن يتلاعب بالمسلمين بهدف إنشاء الإمبراطورية الإسلامية، وفق تعبيره.

وسائل الإعلام الإسرائيلية اعتبرت تصريحات ابن سلمان، غير عادية وغير مسبوقة من مسؤول عربي كبير، يعترف بأن لليهود حقا في “أرض إسرائيل” (فلسطين المحتلة) وبأنها حق خالص لليهود، وأن يتحدث أيضا عن علاقة السعودية بالكيان الصهيوني”.

وكتبت الجريدة الأمريكية (واشنطن بوست): “إسرائيل تقتل الفلسطينيين بدم بارد..ولن يعاقبها أحد، وهي لا تعير اهتمامًا للتكلفة السياسية لقتل الفلسطينيين”.

وفي ظل هذا الوضع المزري المتسم بالانحياز الأمريكي لإسرائيل والصمت الدولي والعجز العربي الإسلامي، لم يعد الفلسطينيون يعتمدون في نصرة قضيتهم سوى على عون الله تبارك وتعالى ثم على شجاعة أبناء الشعب الفلسطيني بكل فئاته وأطيافه وقيادته وفصائل مقاومته الوطنية.

 

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

الدكتـــور عبــد الله شريــط الفيلســوف الـمناضــل

أ. عبد الحميد عبدوس/ عن عمر ناهز تسعة وثمانين عاماً رحل المجاهد الأستاذ الدكتور عبد …