الرئيسية | أقلام القراء | من هم الصالحون؟/ عبد العزيز كحيل

من هم الصالحون؟/ عبد العزيز كحيل

هناك الصلاح بالمفهوم الديني:{أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ}، وكل مؤمن تقي – ذكر أو أنثى – يستطيع أن يكون من أولياء الله الصالحين سواء كان عالما أو بطالا أو عاملا يوميا أو ربة بيت أو مجاهدا أو إطارا أو حِرفيا أو طبيبا…ولا عبرة بالتصوّر الساذج للعبد الصالح المتمثل في عمامة كبيرة ولحية كثة وسبحة باليد.

وهناك الصلاح بالمفهوم الدنيوي:{وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ}.

كَتَبْنَا: هذه سنّة ربانية وقانون اجتماعي لا يتخلّف ولا يتبدّل.

الزَّبُور: الوحي، أي مصدر المعرفة الأول والأوثق.

الْأَرْض: الكوكب الذي نعيش فيه، أي الحياة الدنيا.

يَرِثُهَا: يتمكّن فيها.

عِبَادِيَ: لم يقل “المؤمنون” بل جميع البشر بغضّ النظر عن الدين، لأن الكافرين عباد لله حتى ولو أنكروا ذلك.

الصَّالِحُونَ: أصحاب الكفاءة والمؤهلات اللازمة لعمارة الأرض وتسخير الكون.

هؤلاء هم الصالحون، أي من لديهم أهلية لتسيير الحياة الدنيا نفسيا واجتماعيا وكونيا، هم من يمتلكون أدوات العلم والبحث والاستكشاف والاختراع والتنظيم والتسيير، يمتلكون المؤهلات العلمية والمدنية ومنها بالدرجة الأولى قيم الحرية والعدل والشورى والكرامة التي تتيح للإنسان الانطلاق القوي الواعي لإقامة الحضارة، بالإضافة إلى الخبرات المعرفية اللازمة، كلٌّ في مجاله.

إننا لا نستهين بالجانب الديني الأخروي – بل هو شغل المسلم الأوّل- لكن لا نريد أن يكون مخدّرا بأيدي دعاة التخلّف والعبودية لغير الله، لأن التخلّف معصية جماعية كبرى، ولا عبودية إلا لله تعالى، لا لشيخ ولا لحاكم ولا لصنم مهما كان شكله.

كان غلاة الصوفية في القمّة من جانب التعبّد والذكر والحياة الروحية، أي اتّسمت سيرتهم بالصلاح الأخروي لكنهم كانوا فتنة للمسلمين حين تخلّوا عن الصلاح الدنيوي ورفضوا الاندماج في حركة المجتمع ولاذوا بالفرار من معترك الحياة الدنيا ورفعوا شعار “دع الخلق للخالق والملك للملك” فكانت النتيجة أنهم أحسنوا التديّن الفردي وخذلوا الإسلام والمسلمين في جانب العطاء العلمي والاجتماعي.

وهو ما يحصل الآن مع الشكل الجديد من الرهبانية التي تركّز على التديّن ( ولا أقول الصلاح ) الفردي وتحرّم الاشتغال بالعمل المجتمعي الجمعوي والحزبي وحتى الدعوي، وتتبرّم من معاني الحرية والشورى، فانتشرت السلبية القاتلة في شباب كان ينبغي أن ينصروا الإسلام والأمة بالعطاء العلمي والعملي الكثير العميق لمواجهة التخلّف وتقديم دين الله في ثوب قشيب وصورة حسنة جميلة تجمع بين حسنات الدنيا والآخرة.

وكم يكون المسلمون رائعين حين يجمعون بين الصلاح الروحي والدنيوي.

والله تعالى لم يخلق الدنيا لنعاديها أو نحتقرها كما تصوّر ثقافة التصوّف الأعجمي والزهد المتطرّف، بل لنعيشها “في سبيل الله” بأداء واجبات الخلافة والعمارة، فإذا تخلّينا نحن أصحاب الرسالة السماوية فسيملأ الفراغ غيرُنا من أولي القوّة والفهم والعزيمة، وإذا لم نُقم حضارة تجمع بين الإنسانية والربانية فإنهم يقيمون حضارة نقول فيها ما نقول لكنّ الغلبة تكون لها ما لم يجد لها خصومها بديلا، لأنهم سيكونون حينذاك هم ورثة الأرض بفضل صلاحهم الدنيوي.

فالله  تعالى يعطي الدنيا لمن كان صالحا لها، لا يظلم أحدا بسبب دينه:{مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ}، لاحظوا قوله تعالى “أَعْمَالَهُمْ ” ، أي العبرة في عمارة الأرض بالعمل، والله يوفق المؤمنين حين يأخذون بالأسباب ويؤيدهم وييسّر أمورهم، فإن ركنوا إلى السلبية والقعود ورضوا بالبقاء على الهامش لم يُغن عنهم تدينُهم شيئا بين الشعوب والأمم.

تقدم الغربيون لأنهم صالحون للتمكين وتأخّرنا لأننا نفتقد إلى عوامل الصلاح التي تؤهلنا لهذا التمكين.

هذه هي الحقيقة، وسيبقى الحال هكذا حتى نرجع إلى الجادة أو يجرفنا الطوفان.

 

 

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

سلسلة تاريخ الحلقات العلميّة في ورقلة/ إبراهيم بن ساسي

في هذه الإطلالة الموجزة وفي هذا الشهر الرّمضاني الكريم نورد — إن شاء الله — …