الرئيسية | في رحاب الشريعة | الفتوى رقم:261/ محمد مكركب

الفتوى رقم:261/ محمد مكركب

الموضوع: أحكام الطلقة الرجعية في النية والإشهاد.

قال السائل: طلقت زوجتي المرة الأولى بحضرة أخيها ووالدتي، وكنت تزوجتها ولم أسجل العقد، ولي معها بنت. وبعد شهر من طلاقها مارست معها مقدمات الوطء، ثم بعد أسبوع وطأتها، ولم أقل لها راجعتك، ولم أكن أنوي مراجعتها، وغبت عنها حتى انقضت ثلاث حيض، وعندما رجعت وجدتها غادرت المنزل، وخُطِبَت لرجل آخر، ولما سألت عنها قالت: لقد طلقتني وبنْتُ منك، وانتهى ما بيننا، فقلت لها: لقد كان بيننا كذا وكذا (يعني الجماع). فأنْكَرَتْ، وأصرت على أنها طلقت وبانت. فما هو الحكم في هذه المسألة؟

الجواب:

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين. والصلاة والسلام على رسول الله وآله.

أولا: قال الله تعالى:{لطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ[البقرة:229]، دلال. ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ[البقرة:229].

زواج ليس مخادنة عابرة بين رجل وامرأة في سفر أو نزهة، وإنما الزواج رباط وُدٍّ ورحمة في قداسة بيت الزوجية الطاهر. وليس للزوج أن يطلب الزوجة لحاجته متى رغب، ويهجرها  كما يملي عليه مِزَاجُهُ وهواه. قال الله تعالى:﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا[النساء:19]

ومن معاني قوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي: خالقوهن، وصاحبوهن بالمعروف، أي: بما أمر لله تعالى به، من المصاحبة بالتقوى. أي: بأداء حقوقهن التي فرض الله عز وجل لهنّ فإذا ساءت العشرة، ولم يعد يستطع الرجل العيش مع زوجته فتسريح بإحسان، بلا ظلم ولا امتنان، فسرحوهن سراحا جميلا. والله تعالى أعلم وهو العليم الحكيم.

ثانيا: عدم تسجيل عقد الزواج خطأ كبير، ومخالفة شرعية، والسائل قال: تزوج، وطلق، ولم يسجل العقد؟ ما هذا؟ لومت قبل انتهاء عدتها فمن يعلم أنها كانت زوجتك؟ إذا أنكرها أهلك؟ وكيف تتعامل ابنتك مع الحياة المدنية؟ فكان الواجب عليك أن لا تدخل بها أصلا حتى تسجل العقد، ليس لكون العقد الكامل الأركان غير صحيح بدون تسجيل، وإنما آثار الزواج في عصرنا هذا تقتضي شرعا الدفتر العائلي.

والله تعالى أعلم.

ثالثا: لقد أخطأ هذا السائل أيضا في أنه جامع زوجته وهي مطلقة، وذلك محرم عليه، وإذا أراد رجعتها ليعاشرها معاشرة الزوج لزوجته، لا يكون حتى ينوي، ويقول لها باللفظ الصريح: أنه أرجعها إلى عصمته، ويُشْهِد على ذلك. والزواج والطلاق ليس لعبا. وما دام أنه لم يقل لها، ولم يصارحها بالمراجعة ولم ينو حتى، وغاب عنها ولم يسأل عنها مدة نهاية العدة في حسابها، وفي ظنها هي أنه لم يراجها.

فالقول قولها، وهي أنها بانت منه. ولا تعود له إلا برضاها، وبعقد جديد، ويسجل في الدوائر الرسمية. وينصحان معا بأن يتزوجان بدون تسجيل العقد.

والله تعالى أعلم.

رابعا: لماذا ترك العلماء الإشهاد وتساهلوا في الطلاق والرجعة؟

قال الله تعالى:﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ[الطلاق:2].

ولماذا قالوا هذا الأمر للاستحباب؟ وكأن الزوجة ليست طرفا في العقد، ولا قيمة رأي لها في مسألة تخصها في الصميم؟ قال ابن عاشور: ظاهر وقوع هذا الأمر بعد ذكر الإمساك أو الفراق، أنه راجع إلى كليهما لأن الإشهاد جُعِلَ تَتِمَّةً للمأمور به في معنى الشرط للإمساك أو الفراق، لأن هذا العطف يشبه القيد، وإن لم يكن قيدا، وشأن الشروط الواردة بعد جمل أن تعود إلى جميعها. وظاهر صيغة الأمر الدَّلَالَةُ على الوجوب فيتركب من هذين أن يكون الإشهاد على المراجعة وعلى بت الطلاق واجبا على الأزواج، (قلت وهذا هو الأصل كما هو في عقد النكاح بداية) لأن الإشهاد يرفع أَشْكَالًا من النوازل، وهو قول ابن عباس وأخذ به يحيى بن بكير من المالكية والشافعي في أحد قوليه، وابن حنبل في أحد قوليه وروي عن عمران بن حصين، وطاوس، وإبراهيم وأبي قلابة وعطاء. وقال الجمهور: الإشهاد المأمور به الإشهاد على المراجعة دون بت الطلاق. قلت: والله تعالى أعلم وهو العليم الحكيم.

خامسا: وكما أن الطلاقَ الذي هو حَلُّ الْعِصْمَةِ الْمُنْعَقِدَةِ بَيْنَ الْأزواج بِأَلْفَاظ مخصوصةٍ، فكذلك الرجعة يجب أن تكون صريحة بألفاظ واضحة مبينة.

والله تعالى أعلم وهو العليم الحكيم.

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

واقــــــــــع تعـــــدد الآراء بين اجتهــــاد الحكماء وفقــــه الفقهاء

الشيخ محمد مكركب أبران/ إشكالية هذا المقال هي: استفحال الخلاف والاختلاف بين المؤمنين، وكثير منهم …