الرئيسية | اتجاهات | “ترامب”… يقود اليمين..!/ محمد الحسن أكيلال

“ترامب”… يقود اليمين..!/ محمد الحسن أكيلال

 

قبل عام من اليوم أو أكثر بقليل ألقى اليمين العنصري الأمريكي بقيادة المحافظين الجدد مجموعة من القنابل الدخانية والصوتية، بعضها في أمريكا نفسها، والبعض الآخر في بعض البلدان الأوروبية الغربية التي لم تستطع سنوات ازدهار الأفكار اليسارية والديمقراطية الاجتماعية القضاء النهائي على بذور النزعة النازية واليمينية المتطرفة؛ هذه القنابل في حقيقتها تستعملها الجيوش تكتيكيا أثناء بداية الهجوم على العدو لتعميته وإخفاء المهاجمين عنه لمباغتته ومفاجئته لشل حركته في الوقت المناسب، المحافظون الجدد في الولايات المتحدة الأمريكية بدؤوا عملية الإخفاء والتمويه هذه منذ بداية التسعينيات من القرن الماضي حين نفخوا الأبواق وقرعوا الطبول وأعلنوا النفير العام في العالم وتأليف التحالف الدولي لضرب العراق وأفغانستان والإعداد لاستعدادات تكتيكية ولوجيستية وأمنية في أوروبا الشرقية ولو بالاكتفاء بقوات “حلف شمال الأطلسي” بالضبط في أوكرانيا.

التجارب الأولى نجحت في كل من النمسا وإسبانيا وبريطانيا العظمى فيما بعد، ولكن الموجة ما زالت تتنامى، وتتضخم وتشكل أمواجا أخرى في مناطق أخرى في انتظار التوحد لتشمل كل الغرب الإمبريالي الرأسمالي بما في ذلك تلك البلدان الأوربية الشرقية التي انتزعت من جسم الاتحاد السوفييتي بعد تفكيكه والقضاء عليه؛ هذا النجاح لم يستطع الاكتمال لأسباب موضوعية عدة أهمها يتمثل في تفطن القوى المناوئة والمقاومة سواء في البلدان الغربية نفسها أو أمريكا اللاتينية أو في آسيا؛ فتعاظم التأثير الروسي الصيني إلى جانب التحدي الكوري الشمالي والإيراني وضع أمام تنامي هذا النجاح الغربي الأمريكي الصهيوني مطبات وعوائق كبحته وحدّت من تطور اكتساحه، هذا ما أربك اليمين المتطرف في أمريكا وجعلها تمنح فترتين رئاسيتين لليسار بزعامة رجل أسود من أصول إفريقية، ولكن مع إحكام القبضة عليه بواسطة الأغلبية في الكونغرس الذي شل حركته في كثير من المواقف والقضايا ذات الصلة بالسياسة الخارجية والدفاعية والأمنية.

هكذا تم صرف النظر عن القضية الفلسطينية وحل الدولتين ليفسح المجال واسعا أمام اليمين المتطرف الصهيوني للتصرف في كل شيء وفق أهوائه وطموحاته وأهدافه مقابل تحريك اللوبيات الصهيونية في كل بلدان أوروبا الغربية لتفعيل نشاطاتها الداعمة لقوى اليمين والنازية الجديدة فيها للوصول في أقرب وقت ممكن إلى الحكم في كل هذه الأقطار تمهيدًا لما هو آت من مواقف استعمارية جديدة قد تكون سببًا في إشعال حرب عالمية ثالثة.

هذا النجاح الباهر ما كان ليتحقق ما تحقق منه لولا اعتماده الكامل منذ البداية على حركات ومنظمات دينية إسلامية للأسف الشديد، بل وعلى بعض الأنظمة العربية والإسلامية.

هذه الحركات والتنظيمات والأنظمة رهنت نفسها مجانا أو مقابل ضريبة جزافية تقدمها هي مقابل حمايتها من الأشقاء الذين قضت الصهيونية العالمية التي تقود أمريكا بأنهم ألدّ أعداءهم. فجأة وبقدرة قادر تحولت دولة الكيان الصهيوني التي غرست في أرض فلسطين رغم أنوف أبناءها وكل أبناء الأمة إلى دولة صديقة في حين تحولت الجمهورية الإسلامية الإيرانية إلى عدو لدود لأنها أصبحت راعية وحاضنة للمقاومة الفلسطينية واللبنانية وحليفة للدول العربية الرافضة للتطبيع مع العدو الصهيوني الغاشم.

إن الهجمة الشرسة التي تقودها الولايات المتحدة الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط والأدنى لم تكن وليدة الظروف الحالية، بل هي تواصل واستمرار لما بدأته القوى الإمبريالية الغربية في بداية القرن الماضي بزعامة بريطانيا وفرنسا اللتين أرغمتهما الأحداث وتطورات الأوضاع بعد الحرب العالمية الثانية إلى انسحاب تكتيكي وترك الزعامة لأمريكا القوة الاقتصادية والتكنولوجية الأعظم لتأمين الحماية والرعاية الكاملة للدولة الصهيونية في أرض فلسطين السليبة.

للتاريخ فقد سبق للتمهيد لإنشاء هذه الدولة التخلص من الخلافة العثمانية وفرض الانتداب على المنطقة بعد تقسيمها جغرافيا وفق احتياجات ومصالح كل دولة منهما وفق مضمون اتفاقية “سايكس بيكو” الغنية عن التعريف، وخلال القرن الماضي الذي مضى على هذه الاتفاقية تم وضع كل الأسس والقواعد التي بنيت عليها هذه الدولة وأحيطت بكل العناية اللازمة بتمكينها بكل مقومات وأسباب ووسائل القوة المالية واللوجيستية العسكرية والتكنولوجية والاقتصادية والسياسية والدبلوماسية التي تتربص بكل قرار إدانة قد تتعرض له على مستوى الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي باتفاق الدول الثلاثة (فرنسا وبريطانيا وأمريكا) على مواجهته بـ”الفيتو” مهما بلغت درجة عدوانيتها وظلمها وجرائمها.

إن اليمين المتطرف الذي يقوده الرئيس “ترامب” في بلاده هذه الأيام وهو يعزل كل الوزراء والمستشارين الذين عينهم مباشرة بعد انتخابه وعوضهم بآخرين معروفين بعدائهم المطلق لكل من تشتم فيه رائحة النضال والمقاومة ورفض العدو الصهيوني؛ فهذا اليمين هو جزء لا يتجزأ من كل اليمين الذي تحرك في كل البلدان الأوروبية الغربية والذي يرى أن أوضاع العالم الاقتصادية تفرض عليه استعادة زمام المبادرة بالعودة إلى أسلوب الاستعمار القديم في السيطرة على شعوب العالم التي تتوفر أراضيها على ما بقي وتبقى من استنزافهم من ثروات وموارد ومواد أولية، ومن ضمن هذه القوة الجبارة اليمين المتطرف الذي وصل إلى الحكم في دولة الاحتلال منذ ما يربو عن عقدين من الزمن على الأقل، وهو، هذا اليمين المتطرف ذي العلاقات العضوية مع نظيره في الولايات المتحدة الأمريكية هو الذي يحرك الآلة العدوانية الأمريكية ضد العالم ويبتزه بالتهديد بالحرب العالمية الثالثة إن لم يذعن لمطالبه الملخصة في تحقيق أهدافه الإستراتيجية في الوطن العربي والمتمثلة في تنصيب دولته كقوة مركزية عظمى في كل منطقة الشرق الأوسط بعد إفراغ كل أرض فلسطين من أبناء شعبها وإعادة تقسيم كل الدول العربية المجاورة إلى كيانات دويلات راكعة وخادمة لها.

الأحداث تتسارع وتتلاحق والاحتقان على أشده في سوريا والعراق، وتبادل التهديدات وقع بين القوتين الأعظم: روسيا الاتحادية والولايات المتحدة، ما ندعو الله له أن يقع هو ازدياد حدة المواجهة بين أمريكا وتركيا في نزاعهما الأراضي السورية الواقعة جنوب شريط الحدود مع تركيا، وأن تصل هذه الحدة إلى إعلان جمهورية تركيا عن انفصالها النهائي عن التحالف مع أمريكا والخروج من الحلف الأطلسي للالتحاق بمحور روسيا، الصين وإيران الداعم للحق العربي الفلسطيني، وكل الشعوب الإسلامية في المنطقة.

عن المحرر

شاهد أيضاً

رفـــــع الـمـــــــلام عن الإسلاميــــــين

عبد العزيز كحيل/ الاسلاميون هم انصار المشروع الإسلامي، دعاة، مصلحون، سياسيون، علماء، شرائح اجتماعية متعددة …