الرئيسية | على بصيرة | نيل المرام في تحقيق مقاصد الصيام- الدكتور عبدالرزاق قسوم

نيل المرام في تحقيق مقاصد الصيام- الدكتور عبدالرزاق قسوم

عندما تهب، علينا، في كل عام، نسمات رمضان العليلة، فتسمو بنا في رحاب الله الجليلة ونعيش مع الله ومع الناس، في طمأنينة روحانية نبيلة، عندها ندرك أننا نملك القابلية للصيام، والأهلية لتحقيق مقصده المرام.

فليس الصيام، انغماسا في شهوات الدنيا كما يفعل السذّج من “الغاشي” والعوام، ولا الغيبوبة في النوم والهيام، كما يحلو لبعض الخواص من المسؤولين والحكام، وإنما الصوم في حقيقته سمو بالمسلم، من البهيمية والحيوانية، إلى المستوى العالي من الإنسانية بحيث يمكن أن تصافحنا الملائكة في صفاء وطهارة، ربانية.

ذلك هو ما يجب أن نستشعره، عند حلول شهر رمضان، الذي هو بمثابة الأوكسجين المطهّر لأدراننا، والغيث الروحاني المبيد لجراثيمنا، وأشجاننا.

فالصيام – في معناه الشمولي- ثورة على أوساخنا المادية والمعنوية، وتغيير لذهنياتنا، وعقلياتنا، من رواسب المحن، والفتن الجاهلية. فنحن نعاني من تراكم القاذورات في شوارعنا، وفي علاقاتنا، وفي عقلياتنا، ولا يصح حلول الطاهر الذي هو رمضان، على ما هو وسخ في الإنسان، والمكان، والزمان.

إنه ليحز في قلوبنا، أن يهلّ علينا رمضان النقي والسواد يجلّل علاقاتنا الاجتماعية، والضبابية تلف حياتنا الثقافية، والجمود يحيط بطبقتنا السياسية، والتهديدات تطوّق حدودنا الوطنية. فهل من هبّة رمضانية، نطهّر بها محيطنا، ونغسل بها مَخيطنا، ونرفع بها بسيطنا، ونهذب بها سليطنا، ونقمع بها في الأسواق وسيطنا؟

لقد ورثنا عن أجدادنا وآبائنا، أنّ رمضان الشهر الطاهر، لا يحل إلا في وعاء طاهر، فأين الوعاء الطاهر، من التلوث الذي أصاب بيئتنا، والعنف الذي شوّه حقيقتنا، والغلو الذي استبد بعقيدتنا، والتزوير الذي ران على وثيقتنا؟

إنّ الصيام مصحّة روحية، متعددة الاختصاصات، تعالج جوارحنا من كل الأوجاع والآفات، الطبيب الأكبر فيها هو القرآن، والممرض الأول فيها هو الآذان، والحبيب الأول والآخر فيها هو الخالق الديّان. فهل تَخرج جوارحنا معافاة من أكبر داء، وهو داء الغفلة والنسيان، ومن داء الغيبة والنميمة والهذيان، ومن داء الرشوة، والمحسوبية، وكل أنواع الشنآن؟

فها هي ذي حكومتنا المجيدة، وقد ضخّت فيها دماء جديدة، وكفاءات نرجو أن تكون صادقة سديدة، ها هي ذي تستهلّ أعمالها مع حلول رمضان، وإنها لصدفة سعيدة، أن تستلهم حكومتنا من هذا الشهر الفضيل، أنبل قيم الوطنية والعزم الأثيل، فتحمل معها فوانيس التغيير، والإصلاح والتأصيل.

وكم يحتاج وطننا إلى الحزم والعزم، للقضاء على الفكر الدخيل، وتأصيل المثل الأعلى الجليل، لبناء مستقبل فاضل خال من كل ألوان التمثيل والتدجيل والتضليل.

نريد من المصحّة الرمضانية – إذن- أن تعالج في أذننا شهوة الاستماع والتسمع، وفي أعيننا شهوة إطالة النظرة والتمتع، وفي ألسنتنا آفة الغيبة والنميمة والتنطع، وفي جسمنا كله، آفة الضياع والضلال والتسكع..

إنّ من مزايا رمضان تصفيد الشياطين، وحجب الماجنين، وغلق الحانات، وأماكن اللهو، في وجوه الفاسقين، والمذبذبين. لكن بقي أن يتميز رمضان –عندنا- كما هو مطلوب، بحمل الفوانيس المضيئة، للقضاء على الظلام والظلامية المسيئة. وأن يشع نور القرآن، على البيوت الخاصة والعامة، وعلى القلوب، والنفوس والعقول التامة.

فيا رمضان ! أقبل علينا بأشعة نورك، فنحن جذلون مسرورون بحضورك، وأغدق علينا بتباشير هدايتك، فإن قلوبنا في أشد الحاجة إلى علاجك وعنايتك.

ففي الجزائر متمردون، على قداستك وتعاليمك، وفي شبابنا، ومواطنينا، أبالسة، مجاهرون بعصيانك، مستهزؤون بسلطانك وإيمانك.

إننا نتطلع – بهذه المناسبة- إلى خطاب مسجدي رفيع، يبدد كثافة الظلمات، وإلى منهج جامعي يعيد الطمأنينة إلى نفوس بعض الطلاب والطالبات. فمسؤولية الدعاة، والقضاة، والبناة، في رأب الصدع، ومسح الدمع، والمعالجة بالتي هي أحسن بعيدا عن العنف والقمع، لهي أفضل السبل لإقناع العقل والسمع.

إننا نبتهل، في رمضان، الذي تصفد فيه الشياطين، إلى الله أن يجبر كسرنا، ويضاعف أجرنا، ويصلح أمرنا، وييسر عسرنا. فأمّتنا تعاني القتل، والهدم والدمار، والكيد، والويل، وكل أنواع الحصار. فلعلّ بصلاة القيام، وصدق الصيام، وطهر المصلين والإمام، أن يزيل الله عنا كل الغمام، ويبدد الظلام، ويشيع بيننا الحب، والأخوة والسلام.

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

ويسألونك عن الجزائر…فقل… !؟/ الأستاذ الدكتور عبد الرزاق قسوم

ما موقع جزائرنا –اليوم- من هذا المناخ الإقليمي العربي الإسلامي الصخّاب؟ وما مكانتها وسط هذا …