الرئيسية | قضايا و آراء | مرة أخرى، القضاء الفرنسي “يعتقل رئيس دولته”، وقد يسجن ثماني سنوات! “لعنة الأموال المنهوبة للشعوب المغلوبة تجعل حياة ساركوزي جحيما!مصطفى حابس

مرة أخرى، القضاء الفرنسي “يعتقل رئيس دولته”، وقد يسجن ثماني سنوات! “لعنة الأموال المنهوبة للشعوب المغلوبة تجعل حياة ساركوزي جحيما!مصطفى حابس

يبدو أن العدالة في فرنسا على تحيزها المعهود في الكثير من القضايا، خرجت هذا الأسبوع لتدون بحروف من ذهب، ما ذهب إليه مفكرها مونتيسكيو، فيما يسمى “فضائح الرئيس ساركوزي المالية”.

إذ يواجه الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي هذه الأيام مجددا مشكلات حقيقية مع القضاء، بتهمة تمويل حملته الانتخابية عام 2012م بأموال أجنبية لطاغية من طواغيت إفريقيا الذين فقروا جيوشهم وشردوا شعوبهم، وهذا النوع من الاختلاس، جرم يعاقب عليه القانون الفرنسي بالسجن وبغرامة لمرتكبها مهما كان وزنه وسلطته بل، ومهما كانت مسؤولياته السابقة أو اللاحقة؛ وهي المرة الثانية التي يحال فيها رئيس فرنسي سابق على المحاكمة في قضية سياسية – مالية منذ العام 1958م، بعد سلفه جاك شيراك (1995م-2007م) الذي حكم عليه العام 2011م بالسجن عامين مع وقف التنفيذ في قضية اختلاس أموال بوظائف وهمية في بلدية باريس، يوم كان عمدة للعاصمة الفرنسية، كما أدين مرافقو شيراك في ذلك الوقت في القضية بأحكام متفاوتة الخطورة، وأدين فيها كل من الوزير الأول الأسبق آلان جوبيه والسيد جون تيبيريه والسيد بلكاني وزوجته وغيرهم كثير. وأما فرنسا في عهد ساركوزي، فقد عرف عنه أنه رئيس يُجاهِر بصداقاته مع رجال الأعمال المرفهين وبحبه للثروة مهما كان لونها ومشربها، بل حتى لون بشرة صاحبها، “موني إز موني” كما يقول الإنكليز، إلى درجة انقلب فيها هذا العشق للمال إلى عائق كبير هدد ويهدد بتحطيم مستقبل الرجل السياسي نهائياً.

ويكتشف الفرنسيون اليوم، مع هذه الأخبار القضائية المثيرة للجدل، “استقلالية قضائهم” ولو على استحياء، ويظهر أيضاً معها، انفضاض “المنتهزين” حوله على حد تعبير المثل “مات الملك يحي الملك”، إذ لاحظ الفرنسيون عبر وسائل إعلامهم فرار معظم أصدقاء ساركوزي من حوله، ليصبح الرجل مهدداً بالسجن ثماني سنوات؛ وتندرج هذه القضية في سلسلة من قضايا الرجل مع العدالة، فقد استطاع حتى اليوم الإفلات من قضيتين سابقتين، الأمر الذي كان يمنح أنصاره، أو ما تبقى منهم في هذه المحنة، الاعتقاد بقدرته على العودة قوياً وسالماً بعد كل اختبار.

ورغم أن توجيه التهم بالفساد ومحاكمة رئيس فرنسي، ليس بالأمر الجديد في الجمهورية الفرنسية الخامسة، إذ أن الأمر حدث مع الرئيس شيراك، وأُدين في نهاية الأمر بغرامات وبالسجن مع وقف التنفيذ، إلا أن اليوم غير البارحة، إذ هذه هي المرة الأولى التي يتعرض فيها رئيس جمهورية فرنسي سابق للاعتقال الاحتياطي ثم الإيقاف الرسمي. وتُشكّل قضية ساركوزي زلزالاً قضائياً وسياسياً في فرنسا ومحيط فرنسا المجاور، خاصة في الضفة الأخرى للمتوسط، أي المحمية أو الحضيرة الإفريقية…!

وإذا كان من السابق لأوانه استباق الأحداث، وخصوصاً أن ثمة أشياء كثيرة غير مسبوقة في القضاء الفرنسي، ليس فقط لأن المعتقل رئيسٌ سابق للجمهورية، مع كل ما يثيره الأمر، خارجياً ودولياً من استغراب وذهول، بل ما تكشفه الأحداث لو يترك للقضاة الحرية وأن يجرى القضاء مجراه الطبيعي، دون الانقلاب عليه، كما عودتنا السياسة الفرنسية، بخنساتها و غدرها والتواءاتها لم يخص الأمر قضايا فساد لبني عمومتنا.

ويبدو أن اقتراب ساركوزي الشديد من رجال الأعمال العرب، وافتتانه بالحملات الانتخابية الأميركية التي تُصرف فيها أموال هائلة، ومحاولة تقليدها وزرعها في فرنسا المحافظة “الكاثوليكية”، هما أصل البلاء بالنسبة له ولحزبه، فكل متاعبه مع القضاء، تتعلق بالمال العربي، الذي يعشقه ساركوزي عشقاً جمّاً حد الثمالة، بل ويأخذه بأي حيلة وبأية مراوغة، فلا ننسى أن الرجل محامي وأبن محامية يهودية ابنا عن جد.

وما فشل ساركوزي بالعودة إلى سدة الحكم في عام 2012م وخسرانه  أمام الاشتراكي فرانسوا هولاند، إلا بسبب الفضائح المالية، فمنذ  عام 2013م، فتحت فرنسا تحقيقاً في مزاعم بأن حملة ساركوزي استفادت من ملايين اليوروات من أموال غير مشروعة من القذافي، ولم “يقبض عليه” إلا هذا الأسبوع، ليواجه العدالة الفرنسية، فيمنع من السفر للخارج لبعض الدول، ويمنع مرحليا للالتقاء ببعض زملائه، في انتظار نهاية التحقيق.

حيث رد في قناة فرنسا الأولى، بوجه شاحب متعب شارد العينين، بأن مزاعم تلقيه أموالا لتمويل حملته الانتخابية من الزعيم الليبي معمر القذافي جعلت حياته “جحيما”، وأن “الليبيين الذين يتهمونه اليوم يريدون الانتقام منه لإصداره قرارا بنشر مقاتلات فرنسية خلال الانتفاضة التي أطاحت بالقذافي في عام 2011م”، على حد تعبير يومية لوفيغارو الفرنسية.

واستجوبت الشرطة الثلاثاء الماضي الوزير السابق في حكومة ساركوزي وحليفه المقرب برايس اورتيفو. كما لا ننسى أن اعتقال رجل الأعمال الليبي أحمد (ألكسندر) جوهري في لندن في 9 جانفي المنصرم قد تكون له علاقة وطيدة بالقضية، فالرجل يوصف بأنه أحد مساعدي ساركوزي السابقين.

كما نشرت صحيفة “لوموند” الفرنسية تقريرا؛ تحدثت فيه عن إمكانية تورط رجل الأعمال الليبي الجوهري؛ في قضية تمويل الحملة الانتخابية للرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي سنة 2007م، وقالت الصحيفة، إن الجوهري، المعروف باسم “ألكسندر”؛ قد تعرض لمحاولة اغتيال في باريس، ويرجح أن تكون هذه المحاولة “عملية تصفية حسابات”.

وذكرت الصحيفة أن الجوهري على علاقة وطيدة مع  اليهودي ديفيد ترجمان، الفرنسي من أصول تونسية وأحد أكبر مديري الملاهي الليلية في فرنسا، وقد نجا سابقا من محاولة اغتيال سنة 1986م، مع العلم أن الشراكة بين هذين الرجلين ساهمت في ارتفاع مداخيلهم المالية، وهذا يعتبر سببا قويا من شأنه أن يخلق للجوهري عداوة مع منافسين آخرين.

ويقاوم رجل الأعمال ألكسندر جوهري، الذي يوصف بأنه أحد مساعدي ساركوزي السابقين، جاهداً عملية تسليمه إلى فرنسا بعد اعتقاله في لندن في يناير للاشتباه بتورطه بغسيل الأموال، كما أسلفنا أعلاه.

وأثيرت مزاعم تمويل حملة ساركوزي من قبل القذافي بالملايين من قبل رجل أعمال لبناني-فرنسي يدعى زياد تقي الدين وبعض المسؤولين السابقين في نظام القذافي. ففي نوفمبر من عام 2016م، صرح زياد تقي الدين لموقع إخباري فرنسي “ميديا بارت” أنه سلم في عامي 2006م و2007م ثلاث حقائب مليئة بأموال نقدية من فئة 200 و 500 يورو إلى ساركوزي ومدير مكتبه كلود غيون. ونشرت صحيفة “لوموند” الفرنسية تقريراً أن بشير صالح – الذي كان يدير صندوق الثروة السيادية الليبي في ذلك الوقت- أكد أن القذافي كان يمول ساركوزي.

كل هذه الأخبار والمعلومات التي أصبحت حقيقة لا غبار عليها، ورغم بعدي عن ملف القضية لأن وسائل الإعلام فصلت وأطنبت في الموضوع هذه الأيام، لأن اختلاسات فرنسا جهارا ونهارا في العديد من المشاريع “معلومة من الدين بالضرورة”، إن لم أقل كل المشاريع  التي تدخل فيها، كما هو شائع عند العام والخاص، إلا أني أحببت أن أذكر بعقاب الله لهؤلاء القوم الذين يسرقون ويسرفون ويبذرون خيرات الأمم دون رقيب ولا حسيب، خاصة من بني قومنا وحكامنا.

فالإسراف في إنفاق الأموال وتبديدها يشيع البؤس والشقاء في الطبقات الكادحة، ومن البؤس والشقاء يتفجر الحقد، وتروج الرذيلة، وينبت الإجرام، فالإسلام يرى أن مال كل فرد هو مال الأمة، وهو في الأصل مال الله أعطاه للإنسان وديعة لينفقه على نفسه وعلى مجتمعه في سبيل الخير، وهذا ما صرح به القرآن الكريم: {وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ} [النور: 33]، [وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ] [الحديد:7]

فإسراف المال العام أو الخاص وتبذيره بغير الطرق المشروعة وإعطاءه للعدو مثل ما هو واقع اليوم في دول المغرب والخليج، هو اعتداء على مجموع الأمة، لأن المال عصب الحياة ومصدر قوة الأمة، به تنشأ المعامل التي تؤوي العاطلين عن العمل، وبه تستصلح الأرض للزراعة، وبه تحصل الأمة على السلاح الذي يقيها من اعتداء الغير، وغير ذلك مما فيه رفاهيتها وصلاحها.

ولهذا يأمر الإسلام المحكومين والحكام على حد سواء أن يكونوا عينا على تصرفات الأفراد ليحولوا بينهم وبين كل إسراف وتبذير لأموال الأمة بغير حق، ولقد وصف الله المبذرين بالسفه، وأمر بالحجر على أموالهم، قال تعالى: {وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا} [النساء:5].

وفي الآية إشارتين بليغتين في النهي عن التبذير حسب العديد من المفسرين:

الأولى قوله تعالى: {أَمْوَالَكُمُ} ليلفت الأنظار إلى أن مال السفيه، هو مال الأمة، والثانية، قوله تعالى: {الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا} أي: أن الأموال جعلها الله لتقوم عليها مصالحكم فيجب المحافظة عليها وعدم إعطائها للسفيه، و العياذ بالله.

قال ابن خلدون في معادلاته وحكمه  «العدل أساس الملك»، ومن أقوال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) في نهج البلاغة »العدل حياة«، وهذه الأقوال وغيرها فيها من العدل والحكمة الشيء الكثير لو يفهمها بعض حكامنا العرب والعجم المشرفين على تدبير أو تدمير شؤون بلداننا وبلدانهم في فصل السلطات الثلاث (التشريعية والتنفيذية والقضائية)، وعدم تداخل المهام، أو تكديسها في شخص واحد أو جهة واحدة، لعاش العالم في قرية فاضلة يسودها الحق والعدل بين بني البشر مهما كانت ألوانهم وأشكالهم، ومن باب الحكمة ضالة المؤمن فمصطلح فصل السلطات هو مصطلح صاغه المفكر السياسي الفرنسي مونتسكيو، وهو أحد مبادِئ الديمقراطية ونموذج للحكم الديمقراطي للدول التي تحترم نفسها وتقدر شعوبها.

عن المحرر

شاهد أيضاً

من لم يحترم دقائق الوقت لا يحترم دقائق الشرع…

مداني حديبي/ من الظواهر المؤلمة المقيتة عدم الالتزام بالوقت والانضباط في الحضور…والأمثلة كثيرة.. الاجتماع المفروض …