الرئيسية | على بصيرة | مرجعيتنا الدينية الوطنية بين الغلاة، والبغاة 1/2/أ.د. عبد الرزاق قسوم

مرجعيتنا الدينية الوطنية بين الغلاة، والبغاة 1/2/أ.د. عبد الرزاق قسوم

كم نحن نأسى لعقولٍ، رانت عليها غشاوة، ظلامية الفكر، وعُدوانية المكر، فهي لا تنبض إلا شرًّا، ولا تُصدر إلا ضرا.

وكم نرثي، لقلوب طمستها شقاوة الـجَهالة، وأماتتها، اتباعية العَمالة، فهي تنفث سُمّا زعافا، وتُنَفِّر الناس منهم، ثقالا وخفافا.

ذلك هو –إذن- شأن الدعوة الإسلامية مع الحاقدين عليها، الموكلين بتشويه صورتها وحقيقتها. وليت قضية العدوان على المعتقد الإسلامي، اقتصرت على الـمنسلبين الغلاة، الذين لا يرقبون في الإسلام والمسلمين إلًّا ولا ذمة، بسبب ما جبلوا عليه من أحادية الثقافة، وسطوهم على سلطة الصحافة، لو كان هذا، لقبلناه عن قناعة، وطواعية،  فالشيء من مأتاه لا يستغرب، مصداقا لقول الشاعر العربي:

فلوْ أني بليتُ بهاشميّ       خَؤُولتُه، بنُو عبد الـمدان

لهان عليَّ ما ألقى، ولكنِ           تَعالوا فانظروا بـمن ابتلاني

فالصحافة الفرنكفونية، المتطرفة –في الجزائر- جعلت، من مهاجمتها للحركة الإسلامية عموما ولجمعية العلماء، على الخصوص، قربانا تتقرب به إلى أسيادها ومالكي أمرها.

وحتى وإن لم يكن الإسلاميون عموما، والمعربون على الخصوص هم من تولى السلطة، فإن هذه الصحافة الغريبة عن الواقع الجزائري تأبى إلا أن تحملهم مسؤولية كل ما يحدث في الجزائر.

فالتخلف الاقتصادي الذي تعاني منه البلاد، والفساد الـمالي الذي ينخر جسم وطننا، والفشل في الـمنظومة التربوية، وإصلاحاتها المزعومة، كل ذلك، سببه الإسلاميون. والأنكى من هذا، أن يحمل الإسلاميون حتى مسؤولية ما يحدث في بعض البلدان الإسلامية، كمصر وتركيا، وليبيا، وسوريا، والعراق، واليمن وغيرها، وفتش عن الإسلاميين في كل ما يحدث.

ولو أن بني قومنا، من الصحفيين الفرنكوفونيين، الذين ” يُطرّشون” حسب تعبيرنا الشعبي الجزائري، أو ” يَسْلَحون” علينا، حسب التعبير العربي الفصيح، لو أنهم رزقوا قليلا من الحكمة، والمهنية الإعلامية، لقاموا بأبسط جهد، وهو الاطلاع على ما ننتجه وما نكتبه. ولو حاورونا فيما ينسبوه إلينا من تهم، لو أنهم فعلوا ذلك، لقلنا، إنها حرية الرأي، وموضوعية النقد، غير أن بني قومنا، جهلة، ومتعصبون، ولديهم أحكام جاهزة عنا.

فلو كان سهما واحدا لاتّقيته

                 ولكنه سهم، وثانٍ، وثالث

نقول هذا، ونحن نطالع بكيفية شبه يومية في صحف “الوطن”، و”صدى وهران”، و”الإكسبريسيون”، و”لوصوار دالجيري” وغيرها، هجومات غير مبررة، ولا تستند إلى أي دليل.

فنحن –على سبيل المثال- نوصف “بالإسلاميين البعْثيين” ويقيننا أنّ من يطلق هذه الأوصاف جاهل بكل معاني المصطلحات والمفاهيم، فالبعثية والإسلامية ضدان لا يجتمعان، فإن اجتمعا في جهل الصحافة الأجنبية فلا حول ولا قوة إلا بالله.

واتُّهمنا –منذ أيام أيضا، بأننا وراء إفشال إصلاحات الوزيرة ابن غبريط، وهذا يعني ضمنيا الإقرار بفشل المنظومة التربوية على يد السيدة ابن غبريط، أما اتخاذنا كشماعة لتعليق فشلها، فذلك ما نستغربه.

إن الحقيقة الناصعة التي لا مراء فيها، هي أننا في جمعية العلماء المسلمين الجزائريين بالذات صرنا خفافا وثقالا، لمساعدة السيدة ابن غبريط على إصلاح الأخطاء المرتكبة، في المنظومة التربوية، فعبرنا لها مشافهة عن هذه الأخطاء، وقدمنا لها كتابة سجلا كاملا بالأخطاء، قصد إصلاحها. فكيف نُحمّل بعد ذلك كله، مسؤولية فشل إصلاحاتها؟

فهل من الإصلاح، حذف البسملة من المناهج الـمدرسية؟ وهل من الإصلاح إلغاء التربية الإسلامية وتعويضها بالتربية الـمدنية؟ وهل من الإصلاح تخفيض معامل اللغة العربية والتربية الإسلامية، ومادة التاريخ، وهي كلها، رموز للهوية الحضارية، والسيادة الوطنية؟

ولنأخذ الحكمة من أعدائنا، ففي “إسرائيل” يرسب كل من لا يحصل على الـمعدل في اللغة العبرية، وفي التاريخ اليهودي، وفي الثقافة التلمودية، مهما حصل عليه من معدل في باقي الـمواد، حتى ولو كان أعلم العلماء في عصره.

هذا دون أن نتحدث عن قضايا أخرى أُقحمنا فيها، كزيارة أردوغان للجزائر، أو أزمة الإخوان الـمسلمين في مصر، أو الصراع الدائر في سوريا، فكل ذلك، تكال لنا فيه التهم، بلا مبرر أو سند علمي يشهد له.

ولا تسأل، عن التشكيك في ماضي الجمعية النضالي، والتهم الـمكالة لعلمائها، فتلك كلها قضايا، تدخل ضمن التطرف والغلو اللذين تُتهم بهما هذه الصحافة، وهو في الواقع ألصق بأصحابها. وكما يقول الـمتنبي:

وإذا أتتك مذمتي من ناقص      

فهي الشهادة لي، بأني كامل

وإن تعجب فعجب، أن نبعث إلى هذه الصحافة، بالتصويب لـما نشر، عملا بحق الرد، فلا تجد لديها أية إجابة، وهي التي تتبجح بحرية التعبير، والديمقراطية وكلها في الحقيقة شعارات جوفاء، لا أساس لها في الواقع.

وبعد، فما أردنا أن نطيل الكلام في مثل هذا الموضوع، وإنما هو كلام فرضته وقائع نعيشها، ونريد أن نصحح فيها لقرائنا ولأبناء الجمعية، والرأي العام، مما نعانيه من المعاناة من الغلاة.

ويبقى الشق الثاني، من المعاناة، وهو ظلم ذوي القربى البغاة، فذلك ما سنخصص له، الافتتاحية القادمة من “البصائر” إن كان في العمر بقية، إن شاء الله.

عن المحرر

شاهد أيضاً

متى يَرْعَوي الذين في قلوبهم مرض والمرجفون في الإعلام والمدينة؟

أ.د. عبد الرزاق قسوم رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين/ ابتليت جمعية العلماء المسلمين الجزائريين منذ …