الرئيسية | حديث في السياسة | وحدة الأمة قبل كل شيء/ التهامي مجوري

وحدة الأمة قبل كل شيء/ التهامي مجوري

..ذلك لأنَّها –أي وحدة الأمة- هي التي تبني العلاقات، وتتجاوز المثال والأخطاء، وتقدر النَّاس أسرا وأفرادا حق قدرهم، وهي التي تجمع جهود أفرادها فتثمنها وتضعها في مواقعها اللائقة، وبها تتصدى للمكائد والمزالق والخيانات. ولست مضطرا لموازنتها بغيرها من القيم.. حتى لا يستدرجني أحد إلى أمر لا أقصده.. فيقول لي: أهي أولى أم التوحيد؟ أهي أولى أم الاجتهاد الفقهي؟ أهي أولى أم إزالة الطواغيت من وجه الأرض؟

في مراحل الطفولة كنا نتلقى التوجيهات الأولية في المدارس المبادئ المعبرة عن أهمية الوحدة في المجتمع والأمة مثلما نتلقى دروس النحو والرياضيات تماما، وكانت العبارة الرائجة يومها “فرق تسد”، تتطور أساليب التعبير عنها وفق مراحل التعليم كلها، من الابتدائي إلى الجامعة، ربما كان ذلك شعورا فطريا على اعتبار أن تماسك المجتمع والأمة في الواقع ضرورة لا تعلوها ضرورة اجتماعية أخرى، في مواجهة التحديات بجميع أنواعها، والنصوص الدينية والقانونية والأعراف والقيم كثيرة جدا وفي جميع الثقافات والشرائع؛ بل ليس من العبث أن يربط الله وحدة الأمة بالعبادة في قوله تعالى (إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ) [الأنبياء 92] وبالتقوى في قوله (وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ) [المؤمنون 52]. والعبادة والتقوى تمثلان مبررات الفعل الإنساني الباحث عن الرضوان الإلهي وحمايته، في الواقع وفي القابل من التوقعات..

ولكن يبدو أن المدرسة اليوم والمجتمع أيضا قد فصلا التعليم عن التربية والفعل عن غاياته الراشدة، فلم يعد هناك اهتمام بهذه الوحدة، سواء من النخبة أو من الجماهير أو حتى من إطارات العمل الدعوي الذين يعتبرون وحدة الأمة أمرا مقدسا.. والناظر في واقع الأمة الإسلامية عامة وأقطارها خاصة يلاحظ بجلاء حجم التمزق الذي تعاني منه، فهذا السودان أصبح سودانين، والعراق كدولة متماسكة في خبر كان، وما بقي منه سيبقى يعيش تمزقا مزمنا، سنة وشيعة وصابئة ويهود ونصارى…إلخ، وفي سوريا نظام يواجه شعبه، ثم دخلت عليه القوى المستكبرة لتصفي حساباتها على أرض دمشق الطاهرة وعلى حساب الشعب السوري المسالم، باسم حماية النظام وباسم حماية العلويين وباسم الحفاظ عن مصالح النخب الفاسدة، ولا أحد يدافع عن الشعب إلا قلة قليلة وجدت نفسها في إطار كماشة أكبر منها ومن النظام نفسه، واليمن الذي كان سعيدا لم يبق فيه من السعادة ، إلا اسمها ورسمها على الأوراق…، وقل مثل ذلك في وحدة الخليج والقضية الفلسطينية.

وما بقي من الشعوب التي استعصت على التمزيق المباشر أو أنها تنتظر دورها، فإن العمل على تمزيق وحدتها الاجتماعية والثقافية والفكرية على قدم وساق، أما الفصام النكد بين القمة والقاعدة في مجتمعاتنا فقد أضحى مزمنا، وأمثلة مصر ولبنان والمغرب وتونس والجزائر وغيرها فهي أوضح من أن تُوضح، حتى أنّ لبنان عاش مدة زمنية -لا بأس بها- بلا رئيس بسبب عدم التوافق بين طوائفه المتعددة، وانفصامها عن قياداتها السياسية المهزوزة.

وأسوأ تأثير على هذه الوحدة استعمال المسائل الشرعية في تقسيم المجتمع إلى فرق وطوائف ينعت بعضها البعض بكلّ ما يحلو لهم من نعوت التبديع والتكفير والتحقير.

لقد عاشت الأمة ردحا من الزمن تمزيقا مذهبيا بحيث كانت بعض المساجد بها أربعة محاريب، كل متمذهب يصلي خلف إمامه المذهبي، ومن يزور المسجد الأموي يرى بعينه المحاريب الأربعة، ولكن جهود علماء الأمة العلمية وعلى رأسها حركة الإصلاح تجوزت تلك المأساة بحملات علمية مركزة وضحت فيها الكثير من الأغاليط التي كانت تغذي الخلافات الفقهية لتمزيق الأمة الممزقة، ولكن أعداء الأمة لم يتركوها في حالها، سواء بالاستعمار المباشر أو باستثمار المداخل التي لها أبواب مفتوحة في ثقافتنا ومنها ثقافتنا الدينية المتوارثة مبتوتة عن جذورها العقدية والسياسية.

إنّ ما أثير ويثار بين الحين والآخر في إطار المجتمع الواحد أو في إطار الأمة الإسلامية كلها من خلافات سياسية وثقافية ودينية، لا يمكن فصله عن جذور المعركة التي بيننا وبين أعداءنا، ذلك أنَّ مكونات الأمة الإسلامية المتنوعة تمثل اليوم ثقلا لا يتحمله إلاّ الراشدون، فهي أمة متنوعة الأعراق واللغات والمذاهب والألوان والمواقع الجغرافية المتنوعة.. وهذا الثقل على ما فيه من إيجابيات هو ثقل يتطلب عقولا كبيرة ونفوسا متعالية وقلوبا واسعة جدا.

وإذا ما فقدت الأمة أو تجاهلت ضرورة هذه العقول الكبيرة والنفوس المتعالية والقلوب الواسعة جدا، فإنها مرشحة لكل أنواع الاهتزازات –لا سمح الله-، فالمسألة الكردية في الأمة مشكلة، والمسألة الأمازيغية مشكلة، والمذهبية بجميع أنواعها –الفقهية العقدية الصوفية- مشكلة، وأقول مشكلة ليس لأنها تحمل إشكالا في ذاتها وإنما لأن تجاوزها يتطلب الكثير من الاستيعاب للواقع الإنساني بجميع أبعاده الاجتماعية والدينية والثقافية والإثنية. قد يقول بعضنا الأمور سهلة يمكن تجاوزها بتقوى الله وفعل الخير والاعتقاد الصحيح وما إلى هنالك من الأمور “التسطيحية” لقضايا الإنسان، ولكن الواقع في تقديري صعب ولا بد للنخبة السياسية والقيادات والمرجعيات الدينية من أن تتحمل مسؤولياتها كاملة في الحفاظ على وحدة الأمة ولنا في قصة مسجد الضرار عبرة، في ذلك النفر الذي بنوا مسجدا وطلبوا من الرسول -صلى الله عليه وسلم- أن يدشنه لهم بحجة أن بعضهم ربما فاتته الجماعة في مسجد النبي -صلى الله عليه وسلم-، ووعدهم خيرا..، ولكن كان بصدد التحضير لغزوة وخرج إلى الغزوة.. وفي طريق عودته نزل عليه القرآن يكشف له سوء قصد النفر (وَالَّذِينَ اتَّخَذُواْ مَسْجِداً ضِرَاراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَاداً لِّمَنْ حَارَبَ اللّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ وَلَيَحْلِفَنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ الْحُسْنَى وَاللّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَداً لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىَ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ لاَ يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْاْ رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلاَّ أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) [التوبة 107-110].

فلو كانت التقوى وحدها كافية والصدق وحده كاف والعبادة وحدها كافية لكشف ذلك للنبي -صلى الله عليه وسلم- سوء قصد القوم، ووعد النبي -صلى الله عليه وسلم- لهم كان بناء على أهمية المسجد وحرمته ووجوب الاهتمام به، ولكن الله أراد الكشف عن أمر آخر وهو أن أهمية الشيء ليست دائما قاصرة عنه وعن ظاهره، وإنما هي متعدية إلى ما يبنى عليها من مصالح ومفاسد… فالمسجد قد بني ضرارا وكفرا وتفريق للمؤمنين، ولم يبن كما ادعوا لمصلحتهم.

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

الحكمة في الجدل السياسي/ التهامي مجوري

  الحكمة هي وضع الشيء في محله، قولا كان أو فعلا أو موقفا أو رأيا، …