الرئيسية | في رحاب الشريعة | فتاوى | الفتوى رقم:259/ محمد مكركب

الفتوى رقم:259/ محمد مكركب

الموضوع: الإضراب عن العمل، من أجل الاحتجاج.

السؤال

سؤال أجبنا عنه أكثر من مرة عبر القناة منذ سنوات، والسنة الماضية وتكرر هذه السنة، ولم نجب عن ذلك عند كثير من الإضرابات، وقلنا: لعل المواطنين قد فقهوا الواجب من الأجوبة السابقة، ولكن هذا الأسبوع بلغنا نفس السؤال بإلحاح، فقلنا لعل في الإعادة إفادة، ولعل إخواننا السائلين منهم من لم يتابع فتاوانا. قال السائل:[ هل الإضرابات والاحتجاجات مشروعة؟ أم غير مشروعة؟] وسؤال آخر:[ هل يجوز أخذ الأجرة الشهرية عن أيام الإضراب؟] وسؤال ثالث وأسئلة أخرى كثيرة في هذا الموضوع:[ هل المضرب عن العمل مسئول أمام الله تعالى عن نتائج ترك العمل، كتخلف الطلبة وتعثرهم في الامتحانات بسبب إضراب المعلمين؟ والمريض الذي يزداد مرضه بسبب إضراب الأطباء، وآلام ومعاناة المسافرين في الرحلات الجوية بسبب إضراب عمال الطيران؟ وغير ذلك، بين مسئولية الوزارات والمضربين؟].

الجواب

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين. والصلاة والسلام على خاتم النبيين.

أولا: الفتوى الفقهية لا تعتمد الحساسية السياسية، ولا تتأثر بالخلفية العاطفية، ولا تمزج بين قضايا مختلفة، إنما يكون النظر مباشرة إلى القضية المسئول عنها من حيث تشخيص المدلول. فالسؤال هنا عن عامل، عمل أم لم يعمل، فما هو الحكم في أجرة العامل المتوقف عن العمل؟

يقول الله تعالى:﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾(التوبة:105) لخص المفسر الرازي في التفسير الكبير المعنى العام للآية. فقال:( وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ترغيب عظيم للمطيعين، وترهيب عظيم للمذنبين، فكأنه تعالى قال: اجتهدوا في المستقبل، فإن لعملكم في الدنيا حكما، وفي الآخرة حكما. أما حكمه في الدنيا فهو أنه يراه الله ويراه الرسول ويراه المسلمون، فإن كان طاعة حصل منه الثناء العظيم والثواب العظيم في الدنيا والآخرة، وإن كان معصية حصل منه الذم العظيم في الدنيا والعقاب الشديد في الآخرة. فثبت أن هذه اللفظة الواحدة جامعة لجميع ما يحتاج المرء إليه في دينه ودنياه ومعاشه ومعاده]. ولا شك أنه على العموم القيام بالعمل الواجب طاعة وتركه معصية، ومعالجة المعصية بالمعصية معصية أكبر.

وقال النبي عليه الصلاة والسلام:[ أَعْطُوا الْأَجِيرَ أَجْرَهُ، قَبْلَ أَنْ يَجِفَّ عَرَقُهُ](سنن ابن ماجه.2443) ويفهم من نص الحديث أن من لم يؤد العمل كاملا ويعرق نتيجة الجد والاجتهاد والأداء والوفاء، لا يستحق الأجرة، فإن عَمِلَ الإنسانُ نال أجره، وإن لم يعمل لا أجر له. قال الله تعالى:﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلاَّ ما سَعى. وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى . ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ الْأَوْفى﴾ والتعبير بالعرق في الحديث كناية عن بذل الجهد في أداء العمل. 

﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلاَّ ما سَعى﴾ أي: وكما لا يؤاخذ أحد بذنب الغير، فكذلك لا يثاب بفعل غيره، إلا إذا عمل، وقوله تعالى:﴿وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ الْأَوْفى﴾ أي يُجْزى العبدُ جزاء يليق به حسب سعيه بالجزاء الأوفر، فإن لم يعمل ولم ينتج شيئا فما هو الجزاء الذي ينتظره؟.

ومن كل هذا يفهم السائلون أن العمل أمانة وترك العمل تضييع الأمانة. والله تعالى قال:﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها﴾ فالعامل واجب عليه أن يعمل (أَدِّ الْأَمَانَةَ إِلَى مَنِ ائْتَمَنَكَ وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ). وصاحب العمل أو المسؤول عن العمل واجب عليه أن يحكم بالعدل في إعطاء العامل المنجز عمله بالتمام أن يعطيه أجره كاملا بالتمام. والتمام مقابل التمام هو الحكم بالعدل، فالإدارة العامة من وزارة وغيرها من السلطات الوصية إن لم تعط العاملين والموظفين حقهم، كان ذلك مخالفا للعدل. والله تعالى قال:﴿وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ والله تعالى أعلم وهو العليم الحكيم.

ثانيا: هل يجوز للموظف أخذ الأجرة الشهرية وهو لم يعمل؟ والجواب معلوم من حديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم، عن النعمان بن بشير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: [إن الحلال بين، وإن الحرام بين، وبينهما مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه، وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام..](مسلم.1599) وليستفت المسلم قلبه في مثل هذه القضايا، والبر ما اطمأنت إليه النفس، واطمأن إليه القلب، والإثم ماحاك في النفس، وتردد في الصدر، وإن أفتاك الناس وأفتوك.

ثالثا: من المسؤول عن الإضراب وضياع حقوق المتضررين؟ فالسلطات التي لم تدرس قضايا الموظفين والعمال قبل أن يضربوا مسؤولة بنسبة كبيرة، والسكوت عن شكوى العمال إلى حد ترك العمل وتضييع المصالح الوطنية، وتعكير النفوس، خطأ قضائي واجتماعي وسياسي وأخلاقي، والإدارة العامة مسؤولة عن هذا. وضرب المصالح العامة بالإضراب ليس من صالح الوطن، فضلا عن تضرر الضائعين والمغبونين من التلاميذ والمرضى والمسافرين، فما هو ذنبهم؟ فما هو ذنبهم؟ والمضربون أيضا مسؤولون عن نتائج التأخر والتخلف والمعاناة. والله تعالى أعلم وهو العليم الحكيم. قد يخطئ المستفتي وقد يخطئ المفتي في الدنيا ولكن ماذا نقول لربنا يوم القيامة؟ من ترك عمل ساعة عمدا ومضت تلك الساعة، فلن يستطيع تعويضها ولو عمل العمر كله، قد يقضي ليكفر ويتوب، ولكن حقيقة ما فات لن يؤد كما لو أدي في زمانه.

 رابعا: هل الإضراب عن العمل للاحتجاج  وسيلة حضارية إيمانية؟ وهل تشريع أو تقنين الإضراب هو الحل الحضاري للمطالبة بالحقوق؟ فما دور القضاء في المجتمع؟ وما دور المحامين؟ وما دور الراعي المسؤول عن رعيته؟ وإذا كان العامل عندما يُظلم ويريد الاحتجاج والمطالبة بحقه، يترك العمل ويخرج إلى الشارع بنفسه، فما محل النقابة من الإعراب؟ إنني أحسُّ كل الإحساس بانشغالات الموظفين والعمال وهم يطالبون بحقوقهم المهضومة فعلا، وأشاطرهم شعورهم، وأقول لمن بخسهم حقهم، أن ذلك ظلم.

ومن جهة أخرى يؤلمني كثيرا ويحزنني ذلك المريض الذي يتألم بسبب إضراب الطبيب والممرض، وذلك التلميذ الذي أهمله المعلم، وبسبب الإضراب تأخر ولم يتقدم، والعائلة المسافرة بأطفالها الباكين وتضييع مشاريعها في المطار تنتظر متى يتفضل الطيار والمضيفون بنفحة من تصدقهم على المسافرين المغبونين برحلة وإلغاء أخرى. إننا وأنتم جميعا قرأنا حديث النبي صلى الله عليه وسلم،[ لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ ] والقاعدة العامة من علوم الأصول:[ لا ضرر ولا ضرار] والله تعالى أعلم وهو العليم الحكيم. ونسأل الله العزيز الغفار أن يغفر لنا. آمين. والحمد لله رب العالمين.

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

لاتفاضل بين الناس إلا بالتقوى

الشيخ محمد مكركب أبران Oulamas.fetwa@gmail.com/ الفتوى رقم: 492 ***السؤال*** قال السائل: (ك. ع. د) ليبيا. …