الرئيسية | في رحاب الشريعة | دور المبادئ الإيمانية في تعزيز الانتماء وترسيخ الهوية الوطنية/ محمد مكركب

دور المبادئ الإيمانية في تعزيز الانتماء وترسيخ الهوية الوطنية/ محمد مكركب

المقصود بالمبادئ ودورها في تعزيز الانتماء، هي المبادئ الجامعة للأصول المشتركة للشعب، وبما أننا شعب مسلم فإن الأصول التي تجمعنا وتعزز انتماءنا لأمتنا ووطننا ومجتمعنا، وتحدد هويتنا الوطنية، هي نفسها الأصول الدينية، والتاريخية، والجغرافية، والثقافية للأمة الإسلامية، ثم كل المصالح الإنسانية الضرورية للحياة. وهذه المبادئ التي هي أصول الهوية :

1 ـ الدين الإسلامي، ومنه: الاحتكام إلى شريعة الوحي.

2 ـ  وحدة الانتماء إلى المصطلحات الأصلية الجامعة، فنحن في الجزائر مثلا: مسلمون، جزائريون، مغاربة، أفارقة، من بني آدم. يجمعنا النسب الآدمي، والنسب التاريخي، والجغرافي، واللغوي.

وللفائدة العلمية أن نقدم لهذا المقال ببيان مدلولات ثلاثة مصطلحات هي عناصر جوهرية لهذا الموضوع. وهي: المبدأ، والانتماء، والهوية.

مصطلح ( المبدأ): مشتق من الابتداء [بدأ، يبدأ، بدءا، والمصدر (مبدأ)] وكأن المبدأ استعمل للتعبير عن فكرة نشأت ابتداء لضرورة، فاقتضى الحال أن تثبت الفكرة لدوام الحاجة إليها، فصارت قاعدة ثابتة، فمنشأ المبدأ فكرة وجدت كحاجة ضرورية للناس فثبتت. وفي الاصطلاح يطلق المبدأ على الفكرة الكبرى، وعلى القاعدة، والنظرية، كما يطلق المبدأ في التعابير الأدبية، على الأخلاق كقولهم: مبدئي الصراحة. واحترام الوقت. أو مبدئي تحكيم القانون، وفي بحثنا هذا أن المبدأ يطلق على الفكرة الأساسية المستمدة من الإيمان، كالأخوة الدينية، والمساواة الشرعية، والجهاد في سبيل الله، لتكون كلمة الله هي العليا، والوحدة الوطنية بأن نعيش مواطنين في مواطنة متكافلين متكاتفين، ومنه مبدأ الولاية العامة بين المؤمنين، وغير ذلك من المبادئ. ولذلك قلنا تحكيم الشريعة الإسلامية مبدأ، واعتماد لغة القرآن مبدأ، ووحدة المناهج التربوية على مستوى الوطن مبدأ. ويشترك مفهوم المبدأ مع مفهوم الثابت والأصل، في الدراسات الاجتماعية والفلسفية. ولذلك قلنا في العنوان: المبادئ الإيمانية.

 ومصطلح الهُويَّة يعني: الحقيقةُ المعبرة عن خصائص الشخص أو القوم أو الأمة. من حيث النسب، والموقع المكاني والزماني، والانتماء الفكري الثقافي والحضاري، والولاء التضامني التناصري، بعد الولاء الحق لله تبارك وتعالى، ومن مقتضيات الهوية عند المسلم: الانتماء للدين الإسلامي كما علمتم، واللغة العربية التي هي لغة القرآن ولغة النبي صلى الله عليه وسلم، والوحدة الوطنية، والوحدة السياسية المتمثلة في المبايعة.

وأما مصطلح الانتماء: فهو يشمل معان منها: الانتساب، والولاء، والاتباع، والتضامن، والتحالف، والانضمام.

والانتماء مراتب:

1 ـ الانتماء النسبي التعارفي، ابن الأسرة والعشيرة، والانتماء النسبي التأصيلي ابن آدم. وورد هذا التعريف في القرآن للنسب العام لبني آدم، كبيان شامل لهوية الإنسان الذي يسكن الأرض ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ يمكن أن تعرف نفسك بعائلتك، أو قبيلتك، كأن تقول: أنا ابن فلان، عند الحاجة للبيان، وليس للفخر على عباد الرحمن، ويمكن أن تنتسب إلى قبيلتك للتعرف على قومك، كأن يقال: فلان قرشي، أو أوسي. ولكن الانتماء الثقافي الحضاري، للدين، والوطن، والأمة. أما عند الحاجة لتحسيس الناس بواقع معين وتثبيتهم، يجوز أن يعلن الشخص عن هويته النسبية، أو العلمية، أو المكانية، ليطمئن الحاضرين معه عند وقوع اضطراب ما، أو شك في مكانته، أو خوفه على المتأسين به. فمرة قال النبي صلى الله عليه وسلم: [أَنَا النَّبِيُّ لاَ كَذِبْ، أَنَا ابْنُ عَبْدِ المُطَّلِبْ]  ولكن ما هو السبب؟ قال رجل للبراء بن عازب رضي الله عنهما: أفررتم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين؟ قال: لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يفر، إن هوازن كانوا قوما رماة، وإنا لما لقيناهم حملنا عليهم، فانهزموا فأقبل المسلمون على الغنائم، واستقبلونا بالسهام، فأما رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يفر، فلقد رأيته وإنه لعلى بغلته البيضاء، وإن أبا سفيان آخذ بلجامها، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول:[أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب] (البخاري.2864) ولكن في الانتماء المقصود بالهوية. فقد عَمِلَ النبي صلى الله عليه وسلم، بما أمره الله تعالى:﴿إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ( النمل:93) بالضبط كما أمر نوح، وسائر الرسل والأنبياء عليه الصلاة والسلام.

2 ـ الوطن والمواطنة. يطلق مصطلح الوطن على الديار، والمأوى، والأرض. ففي استعمال كلمة الديار، ورد في الآية عن قوم من بني إسرائيل: ﴿قالُوا وَما لَنا أَلاَّ نُقاتِلَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَقَدْ أُخْرِجْنا مِنْ دِيارِنا وَأَبْنائِنا﴾ فقولهم أخرجنا من ديارنا، أي من أوطاننا. والله أعلم.

وجاء ذكر المأوى في معاني الوطن﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآواكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾(الأنفال:26) أي: فَآواكُمْ إلى المدينة، جعل لكم فيها موطنا آمنا تتحصنون به عن أعاديكم. ويُمَثَّلُ للوطن وتضامن المواطنين على متن إقليم، كأفراد الأسرة الواحدة، وكركاب السفينة الواحدة. 

فما هي ضوابط المواطنة؟

1 ـ قيمة الاتحاد ومبايعة الإمام، أي رئيس الدولة. وبناء على هذه القيمة السياسية الشرعية، يلتزم كل المواطنين برموز الدولة، كوحدة الراية (العلم). ووحدة العملة التي تقررها الدولة، كعملة وطنية. والمفروض أن المسلمين تكون لهم عملة واحدة، وهي الدينار الذهبي الشرعي، أو الدرهم الفضي. إذا أرادوا أن يقيموا قوة اقتصادية مرجعية، وأن لا يظلوا تابعين  لعملة غيرهم. فشخصية العملة والتميز بها ليس بالاسم فقط، وإنما بالفاعلية الذاتية بأن يكون التعامل بها وطنيا ودوليا، حتى في التنمية المستدامة يكون عامل العملة أساسا ومقوما عظيما.

2 ـ الالتزام بمرجعية الدولة. المرجعية الفقهية، والقانونية، والمرجعية التربوية، والمرجعية السياسية فمن ينتسب لوطن ينتسب لدولة في كل مرجعيتها. حيث يلتزم المواطنون بالدستور، الذي ينظم مجال الاجتهاد، أقول مجال الاجتهاد. لأن الأصل في المسلمين أنهم يحتكمون إلى الشريعة الإسلامية، ولكن في الشؤون الدنيوية يتفقون على قوانين وضعية، يضبطونها في وثائق تسمى القوانين الوضعية، فإذا تم الاتفاق على قضايا وأهداف بشؤونهم الدنيوية وجب الوفاء بها، والمسلمون عند شروطهم.

3 ـ المساواة في الحقوق والواجبات. ففي الحقوق العامة. كحق التملك، والتنقل، والتعلم، والبحث العلمي، وحرية النقد العلمي النزيه، والحق في الشورى والاستشارة، والحق في النصيب في الدخل القومي العام. قال الله تعالى:﴿مَّا أَفاءَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ﴾.

فالمساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات تقتضي أن يقوم كل مواطن بواجبه نحو وطنه، ويضحي من أجله بكل ما يملك. وبالمقابل أن ينال كل مواطن حقه من ثمرات الثروات من الدخل العام، بالتساوي، وأن لا تستولي فئة على المال العام، ويحرم عموم القوم من الفقراء والمساكين.

4 ـ التلازم بين الحرية والنظام. وقد قرأتم حديث السفينة وهو درس عظيم في ضوابط الحرية  بين أبناء الوطن، وبما أننا قدمناه في مقالات سابقة، نكتفي بمراجعتها ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ(التوبة:71).

عن المحرر

شاهد أيضاً

فـــــك قيــــود الأزمات والتخلص من عثرات الانهزامات

الشيخ محمد مكركب أبران Oulamas.fetwa@gmail.com/ الأزمة تعني الشدة والضيق والفاقة، وبمفهوم الاقتصاد فالأزمة هي القحط …