الرئيسية | قضايا و آراء | كيف نوثّق صلتنا بالله تعالى؟/ عبد العزيز كحيل

كيف نوثّق صلتنا بالله تعالى؟/ عبد العزيز كحيل

البداية من القلب لأنه محلّ نظر الله تعالى ومصدر الأخلاق الإيمانية، وعمل القلب مقدّم على عمل الجوارح كما يعرف كل من لديه إلمام بنصوص الإسلام وروحها ومقاصدها، وإنما أوتيَ أقوامٌ في تديّنهم وداخلَه الغشّ والانحراف حين بالغوا في العناية بظاهر الاستقامة وأغفلوا تقوى القلوب فصاروا يحقرون المؤمن عبادته إلى عبادتهم وهم مضنّة قاسية قلوبهم، وغلظة المشاعر لديهم ويبوسة الطبع وسوء أخلاقهم مع الناس.

وقد غاصت أقدام متديّنين في مستنقع الدنيا وتلوّثت وجوههم بطينها عندما تركوا ظاهر الإثم – إذا تركوه-  وتساهلوا في باطنه، ولو تسلّحوا بالأخلاق الإيمانية والتفتوا بجدية إلى تزكية النفوس، فلما وقعوا في هذا التناقض وهذه الأخلاق أبعدُ شيء عن ثقافة الحياة على الهامش بدعوى إصلاح النفس، بل هي أساس دفع الحياة من منظور إسلامي، فالانتفاضة على النفس هي الخطوة الأولى للتحرّر من الأوهام واقتحام الحياة بالسمت الرباني.

وأهمّ الأخلاق الإيمانية – وعليها مدار الاستقامة الظاهرة والباطنة – أربعة تكاد تستوعب حقائق الإسلام التربوية هي: الإخلاص والمراقبة والتوكل والمحاسبة؛ فإذا أمعن المؤمن فيها النظر وجد أنها لم تُبق ولم تذر.

1/ الإخلاص:

هل تريد من عملك الدنيوي والأخروي إرضاء الله تعالى أم إرضاء غيره سبحانه؟ هل أنت من ” الأتقياء الأخفياء” أم من طُلاب الشهرة الذين يعشقون الأضواء والظهور والشهرة؟ هنا الإخلاص وهناك نقيضه، نعم الأمر صعب، ورغبات النفس غلابة لكنه طريق الجنة، والموفّق من حرّر نيته وقصده من الشوائب وقال “ وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى“، وعملٌ قليلٌ يسنده الإخلاص أفضل من عملٍ كثير تشوبه شوائب الرياء والعُجب.

2/المراقبة:

هي الإحساس بعين الله عز وجل ترى وتراقب:{وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ}[الطور: 48]،{ قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى}[طه: 46].

حريّ بهذا الشعور أن يجعل المؤمن يتقن العمل والعبادة وينأى بنفسه عن مواطن المعصية والذنوب، إنه الرقيب الذاتي والضمير الحيّ والوازع الداخلي:{أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [المجادلة: 7].

نعم، كيف يكون حال من يقوم إلى طاعة أو عمل ذهني أو عضلي؟ فردي أو جماعي؟ وهو يحسّ بعين الرقيب الذي لا يخفى عليه شيء جليل ولا حقير، ويعلم السرّ وأخفى؟ هذا أفضل وأولى من جيوش من المراقبين والعسس الذين لا يتحركون هم أيضا إلا بوجود من يراقبهم.

3/التوكّل:

هو اعتماد القلب على الله تعالى قبل الأسباب وبعدها، بناء على اعتقاد أنه – سبحانه- الفعال لما يريد، القيّوم الذي ما من حركة ولا سكون إلا وخلفها إرادته وتدبيره وتوفيقه.

إنه خُلقٌ يدفع إلى التقرّب من الله دائما لأنه هو الذي يقضي الحاجات، ويحقق المقاصد والغايات، ويدفع إلى الإيجابية، وبذل جميع الأسباب الممكنة لأن الدنيا تسيّرها السنن (القوانين الاجتماعية)، لا الخوارق؛ لكن الله هو الذي يبارك ويوفّق ويأذن بحدوث ما يحدث.

{أَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ}[الواقعة:59]، { أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ}[الواقعة: 64].

{فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَـكِنَّ اللّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـكِنَّ اللّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاء حَسَناً إِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [الأنفال:17].

إن التوكل يورث الطمأنينة والراحة النفسية، ولعلم المؤمن أن الله معه:{وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيراً}[الفرقان: 58].

وامتلاء القلب بهذه الحقيقة الإيمانية يحصّن الغني، وصاحب المنصب والمكانة لا يستغني عن الله في شيء، ولا يغترّ بثروته أو منصبه أو قدراته الذاتية أو الوظيفية ويبقى يشعر بالافتقار إلى الله في جميع أحواله.

4/المحاسبة:

يوم القيامة سيخففّ حساب من تعاهد نفسه بالمحاسبة في الدنيا ليبصر مواطن الخلل في صلته بالله فيصوّب الخطأ، ويستكمل النقص ويتغلّب على دوافع الإعجاب بالنفس والغرور، ويؤدي واجباته الدينية والدنيوية، فلا تغفلْ عن نفسك {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [الحشر: 18].

إن أكثر الناس حسرة يوم القيامة الغافلون الذين أذهبتهم الحياة الدنيا، فلم يترك لهم وقتا للمراجعة والنقد الذاتي، ولو تصوّروا أنفسهم بين يدي الله تعالى في عرصات الحساب ما غفلوا عن أنفسهم ولطال حسابهم لها.

للتذكير: فقد صدر للأستاذ عبد العزيز كحيل الكاتب بجريدة “البصائر” كتاب ثان عنوانُه: “قلوب ورقائق”، في التربية الروحية وتزكية النفس. ويتكون الكتاب من 136 صفحة، وهو صادر عن دار الخلدونية بالجزائر العاصمة.

عن المحرر

شاهد أيضاً

من لم يحترم دقائق الوقت لا يحترم دقائق الشرع…

مداني حديبي/ من الظواهر المؤلمة المقيتة عدم الالتزام بالوقت والانضباط في الحضور…والأمثلة كثيرة.. الاجتماع المفروض …