الرئيسية | قضايا و آراء | “الاحتلال السائل”!/ علي حليتيم

“الاحتلال السائل”!/ علي حليتيم

منذ أن طرح زيغمونت باومان فكرة السيولة من خلال كتابه “الحداثة السائلة” والكتب التي تلته، أخذ هذا المصطلح مكانته بكل جدارة في التحليل الاجتماعي والسياسي لجل الظواهر، إذ يتيح لنا فهمها كظواهر انسيابية ذكية تدرك الوقائع جيدا، وتغيرها بأقل التكاليف!

إن مفهوم السيولة يتيح لنا التخلص، بحكم تاريخه الدامي الطويل، وجروحه الأبدية في الشعور الجمعي الجزائري، من الصورة النمطية الثابتة للاستعمار التي لا تنفصل في المخيال الجزائري عن الغزو العسكري، والقتل والإذلال والمجازر، أي إنها ترتبط بالوجود المباشر للمحتل عن طريق عساكره وآلياته في الوقت الذي يفتح لنا مصطلح السيولة جملة من المداخل المفاهيمية الجديدة للاستعمار يستوعب مختلف تجلياته وتمظهراته غير العسكرية (الصلبة) وأساليبه الحديثة في العمل!

إن “الاحتلال السائل” لم يعد يهدف إلى القضاء على بُنى الدولة المحتلة ومؤسساتها، بل قد يكتفي بإضعافها كمرحلة أولى، ثم تأتي بعد ذلك مرحلة التطويع وتحويل الدولة الوطنية لخدمة الأهداف الاستعمارية مما يوفر على المستعمِر (بكسر الميم) كافة التكاليف المادية والأخلاقية للاحتلال المباشر؛ وأما أساليب الربط فتتنوع وتتعدد طبقاً لمبدأ السيولة دائما، فتشمل المعاهدات في شتى المجالات من الجوسسة إلى الضغط والتهديد إلى تكوين طبقة من السياسيين والمثقفين ورجال الإدارة مرتبطة فكريا ومصلحيا بالمحتل، ويكون مركز الثقل الاجتماعي والسياسي في جهتها رغم قلتها وهي الطبقة التي قد نأذن لأنفسنا فنسميها في حالتنا الجزائرية الخاصة “الحركى الجدد”!

منطق السيولة يقوم على فلسفة تغلغل الفكر والممارسة الاستعمارية دون الحاجة إلى إذن من تفرض عليه، بل دون علمه حتى في بعض الأحيان (حالة دول أمريكا اللاتينية مع الولايات المتحدة الأمريكية)، وهو لو يعلم فإنه لن يجد حلولا كثيرة للمقاومة لأن آليات السيولة قد تكفلت مثل السرطان يشل كل خطوطه الدفاعية وتحويلها إلى أداة في خدمة الاحتلال.

وإذا كان الاحتلال لم يتخل تماما عن أمنيات امتلاك الجغرافيا في حركته العدوانية نحو الآخر فإنه حولها في منطق السيولة إلى احتلال لوظائف الجغرافيا ومكوناتها فيسيطر دون حضور مباشر على موارد الطاقة والقرار السياسي والصناعات الاستراتيجية والمعلومة السرية والبنوك والمجال الجوي، وهو ما يتيح له مجالا من الهيمنة يمتد وراء حدود النفوذ ويقترب من الملكية التامة دون تبعات.

والاحتلال السائل بهذا المعنى لا يعني الفوضى والتسيب ولا يسعى إلى التفكيك التام للدور الذي يعني فيما يعنيه من آثار أن القوى الوطنية ستنتقل بحكم التحدي إلى مرحلة الوعي التام الذي سيؤدي بها إلى تحمل مسؤولياتها بدل ترقب الأمل الكاذب الذي يرسله العدو بين الحين والآخر، ليحدث حالة من الشلل تمنع الحركة والعمل؛ بل إن ما يهمه جداً أن يبقى ديكورا للدولة الوطنية، ويجعل الجماهير تصم آذانها لكل حركة وعي تحذّر من عودة الاحتلال، وهمه أن يبقى مقدار كاف من السلطة حتى يؤدي دوره اللاأخلاقي الذي لا يود الاحتلال أن يباشره بنفسه، ويهمه أن يبقى حد أدنى من الخدمات حتى ينعم الناس باستقلال منقوص.

و”الاحتلال السائل” إذ يتخلى عن الجانب السلبي التدميري لحركته فإنه لا يتخلى في المقابل عن باقي أهداف الاحتلال الصلب (الفرنسة، التغريب، التجزئة…)؛ إنه مثل الفيروس الذي يدخل جهازك لا ليحطم مادته HARD لكنه يسيطر على البرامج SOFT ويحوّلها لحسابه.

لكن الفرق بين غزو الفيروس وتغلغل الاحتلال السائل هو أن الثاني يتم على مراحل وفق خطة طويلة الأمد سلاحها الأكبر السرية والعمل في الظل، وسلاحها الثاني المرونة والتكيف حسب الظروف الدولية والداخلية ومستوى الوعي الشعبي وحيازة الدولة الوطنية وغيرها من العوامل.

لكن المواطنين الجزائريين يشعرون أن “الاحتلال السائل” قد قفز خطوات عملاقة بعد ثورات الربيع العربي.

هل كان متوغلا من قبل ثم قرر فقط أن الوقت قد حان كي يعلن عن حجمه وقوته ويكشف عن نفسه؟

هل قررت الجزائر أن تدخل طواعية تحت الانتداب شبه المعلن بعد أن بدا واضحا أن من لا يفعل سيعد مارقا؟ وأن من لا يحظى بالوصاية سيكون مصيره التفكيك والإزالة في إطار الخطة الغربية المضادة لثورات الربيع العربي مع ملاحظة أن الاهتمام الغربي منصب بالخصوص على ما يسمى الدول الممتصة للثروة (أي الدول ذات الحيز الجغرافي المؤثر وتملك مخزونا استراتيجيا من الثروات الطبيعية وكتلة بشرية قادرة على توظيف تلك الثروة في اقتصادها الوطني بدل تصديرها) كالجزائر والسودان ومصر وسوريا والسعودية؟

هل لجأت الأوليغارشية الحاكمة في إطار عملية التحصين ضد التغيير الشعبي القادم المحتوم إلى خدمات فرنسا كأخف الضررين بدل السقوط الحر، خاصة أن الغرب يتقن جيدا مهارات التخويف والاستدراج؟

وأخيرا، هل تمت كل تلك السيولة في إطار ما بعد العشرية السوداء حين اقتنع ما يسمى حزب فرنسا عندنا أن الإسلام هو علة الإرهاب وأن التغريب هو دواؤه الأمثل.

ما الحل؟!

كيف السبيل إلى مقاومة هذا الاحتلال السائل حيث لا عدوا ظاهرا، ولا ساحة قتال ولا جنود ولا معركة؟!

إن إدراك هذه السيولة سيتيح لنا كثيرا من المداخل للحل أولها استبعاد العمل المسلح الذي لا يجدي من جهة ويتحول من جهة أخرى إلى سلاح فتاك للعدو حين يرمي القوى الوطنية بالإرهاب لأنها تقتل من لا يقاتلها وتعتدي على من لا يحاربها؛ إن الغرب ليرضى أن يقدم مجموعة من مواطنيه كضحايا “للإرهاب الشرقي” كي يقوم في المقابل باستنزاف الدول التي ينتمي إليها الفاعلون لعقود (قانون غاستا الذي يتيح للمواطنين الأمريكيين محاكمة الدول التي يشتبه تورطها في أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001م والعربية السعودية بالخصوص) أو تدميرها بكل بساطة (أفغانستان).

وفي كل البلدان التي نالت استقلالها استعمل الاستعمار التوليفة نفسها لتحضير الدول المستقلة للدخول في مرحلة ما بعد الكولونيالية دون ضجيج كبير.

قد لا يسمح الحيز المسموح للمقال بكثير من التفاصيل لكن أسس هذه الاستراتيجية تقوم على تقاسم مناطق النفوذ بين المستعمرين القدامى، وتكييف المناخ الدولي على أساس يمنع بروز قوى اقتصادية من خارج الدائرة الغربية المسموح بها وصنع قيادات وطنية حسب الطلب كي يمنع ذلك من بروز القيادات الوطنية الحقيقية التي ستُتهم سريعا بالعمالة، والخيانة إن لم يكن قد تم تصفيتها إبان فترة الاحتلال المباشر. عندما أُعدم العربي بن مهيدي بتلك السرعة وذلك الجبن ودون مراعاة مصلحة فرنسا في بقائه حيا، تساءل أحد العسكريين الفرنسيين عن السر في ذلك فقال له قائده: إن أمثال هذا لا يناسبون فرنسا بعد الاستقلال!

فإذا أدركت القوى الوطنية خطة الاحتلال السائل، واستوعبت مفهوم السيولة وميكانيزماتها، واستبعدت فخ العمل المسلح فإنه لن يبقى أمامها سوى معركة الوعي التي سيخوضها المجتمع ضد فرنسة التربية والاقتصاد والسياسة والثقافة، وهي معركة مضمونة النتائج لصالح القوى الوطنية إن أحسنت التصرف وجدّت في العمل، لأن الميدان ميدانها والشعب شعبها، والاحتلال ووكلاؤه يحرصون على ألا يقمعوا القوى الوطنية في هذا الظرف حتى لا يثيروا حفيظة الجماهير، وحتى لا يسقط عنهم ستار الوطنية الذي يمررون في وجوده ومباركته كل سيولة خطة الاحتلال…!

عن المحرر

شاهد أيضاً

المعاملة هي روح التدين الحـــــق..

مداني حديبي/ ألا تتعجب معي لحال ذاك المتدين الذي يلزم الصف الأول ولا تفوته تكبيرة …