الرئيسية | قضايا و آراء | الدكتور مولود عويمر يحاضر حول الهوية الجزائرية ومساراتها/ مولود عويمر

الدكتور مولود عويمر يحاضر حول الهوية الجزائرية ومساراتها/ مولود عويمر

لقد نظم “فوج العمل” للكشافة الإسلامية نشاطا ثقافيا بمكتبة بوروبة (الجزائر) يوم الخميس7 مارس 2018 في إطار الملتقى الثاني عشر للقرآن الكريم، واختار المنظمون لهذا العام موضوع: “الهوية الجزائرية بين الماضي والحاضر ورهانات المستقبل”.

إن أول ما يلفت الانتباه في هذه التظاهرة هو حسن التنظيم وامتلاء قاعة المحاضرات على سعتها بالأساتذة والطلبة والشباب، وهذا يذكرنا بالزمن الغابر الجميل الذي كان يقبل فيه الناس بقوة على مجالس الفكر للاتصال بالعلماء والتحصيل المعرفي والاستزادة في كسب العلم، وهذا المشهد قد تجسد في هذه الجلسة العلمية بكل تجلياته.

قدم الدكتور مولود عويمر الأستاذ بجامعة الجزائر 2 المحاضرة الافتتاحية عنوانها: “الهوية الجزائرية مكوّناتها ومساراتها”. استهل حديثه بتحديد مفهوم الهوية التي تعددت تعريفاتها، فالهوية في نظره هي الإجابة عن السؤال: من هو؟ كفرد أو جماعة. وبمعنى آخر الهوية هي مجموعة الصفات التي تميّز فردا عن فرد آخر، أو جملة من السمات المحددة لمجتمع عن غيره من المجتمعات أو الملامح الفكرية والروحية التي تميّز كل أمة عن غيرها من الأمم الأخرى، وتعبّر من خلالها عن كينونتها وشخصيتها الثقافية وذاتيتها الحضارية.

وتطرق المحاضر بعد ذلك إلى مكوّنات الهوية الجزائرية التي تشكلت عبر العصور، وتفاعلت عناصرها وجزئياتها عبر الأجيال. وقد حدّدها الدكتور عويمر في الدين (الإسلام) وما يتصل به من المعتقدات والعبادات والممارسات، واللغة (العربية والأمازيغية)، والتاريخ (من فجر التاريخ إلى واقعنا الراهن) بأحداثه وشخصياته ورموزه، والبيئة (المغاربية، الإفريقية، المتوسطية) وتأثيرات الوسط على الفرد والمجتمع، والدينامية الاقتصادية التي تدفع الفرد والمجتمع نحو العمل والنشاط والرخاء والتقدم.

وأكد المحاضر على أن الهوية ليست شيئا جامدا بل تتطوّر وتتغير مع حركة الفرد في التاريخ واحتكاكه بالعوالم الأخرى، ولذلك تنطوي الهوية الكبرى على دينامية داخلية تتكيّف مع المتغيّرات التي تحدث جراء تفاعل عناصرها الأساسية مع الهويات الجزئية أو العناصر الدخيلة جراء تطوّر الفرد أو المجتمع والاتصال بالآخر عبر وسائل مختلفة.

وأشار الدكتور عويمر إلى ضرورة بناء علاقة تكاملية بين كل مكوّنات الهوية الجزائرية، وعدم التفريط في واحد منها أو الإفراط في عنصر على حساب العناصر الأخرى حتى لا نصل بالفرد أو المجتمع إلى ما سماه المحاضر بأزمة الهوية التي تتولد من قمع أو كبت المشاعر المختلفة التي يعبر من خلالها الفرد أو الجماعة عن وجوده وانتمائه وتمايزه وتطلعاته وطموحاته.

وقال المحاضر: إن مهمة الدولة والنخبة تجاه إشكالية الهوية تتمثل في رصد كل هذه المكوّنات وإخضاعها للدراسة والمعالجة والإشراف على تنظيمها وتركيبها وإنمائها وإعادة توجيهها وفق حاجات المجتمع وتطوّره في عالم متغير.

وأخيرا تساءل الدكتور مولود عويمر: كيف نتعامل مع الهويات الأخرى؟ قال المحاضر: إن الهوية ليست صندوقا من الذهب يغلق عليه بالمفتاح ويرمى في أعماق البحار حتى لا يمسه أحد، بل هي مشاعر الإنسان بالوجود والانتماء والتمايّز والتضامن…، ويطعمها بمشاعر التعارف والتواصل والتثاقف، والعيش المشترك…)، فكل شعور داخلي ينميه بشعور خارجي ليعزز هويته، ويتفتح على هويات الآخرين، يتأثر بهم، ويؤثر فيهم.

وبعد الانتهاء من المحاضرة، فتح رئيس الجلسة الأستاذ مولود عبد الرحمن المجال للنقاش، والتعقيب وطرح الأسئلة.

وقد كانت جلها تصب في صميم الموضوع، وبرهنت مرة أخرى على اهتمام الحاضرين الشديد بمسألة الهوية التي ما تزال تثير انشغالات النخبة الفكرية والسياسية في البلاد، وتولّد السجالات في واقعنا الجزائري. وأجاب الدكتور عويمر عن الأسئلة المطروحة ثم تمنى في النهاية أن تعالج إشكالية الهوية بحوار هادئ ونقاش بناء وتفاهم هادف، وتوافق دائم في ظل المواطنة التي تعترف بخصوصيات الجميع وتحترمها، وتحافظ على أسس المجتمع ومقوّماته الأساسية.

واستمرت أعمال اليوم الأول بعد صلاة المغرب بأمسية شعرية. وفي يوم الجمعة، استضافت القاعة في الصباح الدكتور محمد الأمين بلغيث، الأستاذ بجامعة الجزائر1، الذي تحدث عن “الإستدمار الفرنسي ومحاولات طمس الهوية الوطنية”، أما الأستاذ عبد اللطيف سيفاوي، عضو المكتب الوطني لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين، المكلف بالإعلام فقد تكلم حول “واقع الهوية الجزائرية بعد الاستقلال وسبل تعزيزها”.

وتخللت هذه المحاضرات الثلاث تعقيبات واستفسارات وتلاوات قرآنية وقراءات شعرية قدمها شباب الكشافة الإسلامية الذين تزيّنوا في هذه المناسبة الثقافية بألبستهم الرسمية الجميلة، ولفتوا الانتباه بانضباطهم، وغمّروا الناس بحسن أدائهم، وكرم استقبالهم.

عن المحرر

شاهد أيضاً

فلسطيــــــن محـــــور الصـــــراع

أ. محمد الحسن أكيلال/ الولايات المتحدة مصرة على الهيمنة رغم كل ما لحق بالولايات المتحدة …