الرئيسية | قضايا و آراء | وحدة الأمة.. وأهميّة تفعيل المنظومة الثقافية/ د. إبراهيم نويري

وحدة الأمة.. وأهميّة تفعيل المنظومة الثقافية/ د. إبراهيم نويري

إنّ ثقافة الأمة تنطوي على تراث الأمة الفكري والمعرفي والقيمي، وهذا التراث الذي يصبغ الثقافة بخصائص معينة، متداخل ومترابط، إلى درجة أنه يشكل إطاراً عاماً يضبط حركة الأفراد والأسر والمجتمع في كلّ أمة.

ذلك أن ثقافة الأمة في جوانبها وقسَماتها المختلفة تمثل أسلوبها وطريقتها في الحياة، إذ إن معتقدات الأمة ونظرتها العامة إلى الإنسان والحياة، وكذلك الأفكار والتصورات التي تدور في أذهان أبنائها، ويتمّ تدوينها في صور وأشكال بحثية ومعرفية مختلفة، تشترك في مجموعها في تشكيل الأسلوب الذي يحكم حياة الأمة، ويوجّه مسارها، ويحدّد آمالها وطموحاتها المستقبلية.

والوحدة الثقافية للمسلمين، كما تتبيّن ملامحها العامة، من خلال المرجعيات الثابتة لأمتنا، تتجسد أكثر ما تتجسد، في وحدة الأسلوب الذي يُعنى بصياغة الحياة على المستويين النظري والعملي. ذلك أن الأمة التي يمكن وصفُها بأنها موحّدة ثقافيا، هي تلك التي يتوفر أبناؤها على أسلوب متقارب في معالجة مختلف المسائل الحياتية، أما الأمة المشتتة ثقافياً، فهي تلك التي تنتهج كلُّ فئة أو طبقة منها، أسلوباً خاصاً بها، في مواجهة القضايا المختلفة في العيش والحياة .

وقد لاحظ أحد المفكرين بأن الوحدة الثقافية في الأمة الإسلامية، لا تتحقق في الواقع الماثل، إلا إذا قام أسلوبها ونمطها على عنصرين أساسيين: الأول يتمثل في التمكين للقيم الإسلامية الثابتة من عقيدة وشريعة وأخلاق، والثاني يتمثل في تفعيل الوسائل المتغيرة وحسن توظيفها، كي تثمر في خدمة القيم الثابتة في منظومة الإسلام الفكرية والحضارية، وهذه الوسائل تستفيد باطراد من الكسب الإنساني العام في المعرفة النظرية والعملية على السواء. ولا شك أن ذلك برمته يكون رهن توفّر حرية الرأي وانتفاء الحجْر على العقول، حتى يكون الانفتاح والإفادة من العنصرين المذكورين أمراً طبيعياً، لا تعسّف ولا تصنّع فيه.

خاصّة إذا وضعنا في الحسبان مسألة العلاقة بين الهُويّة والثقافة..حيث يبدو الصراع بين العديد من الأنساق، يتمثل في الكثير من الأفكار والدعوات والمناهج، التي تحاول التأثير على الذات الحضارية للمسلمين، وإضعاف هُويّة المسلمين الفكرية والاجتماعية، كي يتسنّى لها بعد ذلك الوصولُ إلى توجيه مختلف المناشط والقرارات في بلاد المسلمين، ومحاولة إبعادها عن خدمة مصالح الأمة وفق خصوصياتها ومقتضيات منازعها الروحية والثقافية.

وقد نبّه وأكّد أكثر من مرة الأستاذ المفكر الألمعي مالك بن نبي رحمه الله على هذا البُعد كما نجد مثلا في قوله ” وإذا كانت الثقافة هي الجسر الذي يعبره المجتمع إلى الرقي والتمدّن فإنها أيضا ذلك الحاجز الذي يحفظ بعض أفراده من السقوط من فوق الجسر إلى الهاوية “؛ وهذا التوصيف الوظيفي للثقافة ومكوّناتها مهم جداً لوحدة الأمة المسلمة، لأنه لا يعير كبير اهتمام للعناصر الثقافية التي لا تُسهم عملياً في تفعيل عملية التواصل والتكامل والتعاون بين أفراد وشعوب الأمة الإسلامية.

ذلك أنه إذا كان الشقُّ المادي للحضارة يتمثل في العمران والمرافق والهياكل والمنجزات الصناعية المختلفة، فإن شقها الفكري والقيمي يمثّل القاعدة الراسخة في قيام تلك الحضارة، وبناءً على ذلك فإنه يمكن القولُ بأن الحضارة الإسلامية تُعدُّ مثالاً وأنموذجاً صادقاً يؤكد أهميّة صفاء ” القيم الثقافية” في قيام الحضارات على عقيدة سليمة راسخة، وعلى منهج للحياة مستقيم، ودليل ذلك أن العقيدة بدأت أول ما بدأت ــــــ فترة التنزيل الكريم ـــــــ بتصفية الوسط الثقافي في مكة من جاهليته حين نبذت كلّ ما هو طالح وأخذت كلّ ما هو صالح للإنسان ولحياته بكلّ مكوناتها ووسطه الاجتماعي بكلّ آفاقه ومناحيه.

فهذا الفهم لجوانب هذه المعادلة الحيوية يرتكز أساساً على القاعدة الوظيفية التي تكوّن المنظومة ” الثقافية والقيمية “..ذلك أن الثقافة ليست منفصلة عن السلوك، بل هي محيط أو جوّ عام أو نسق اجتماعي يشمل جميع العادات والتقاليد والسلوكيات لكلّ أفراد المجتمع، كما يُسهم في توجيه حركة المجتمع في إطارها الواسع، الذي يستوعب العلاقات الفكرية والتربوية والثقافية والمعرفية وغيرها.

وبناءً على ما تقرر آنفاً فإن الوحدة الثقافية للمسلمين، ينبغي أن تتجّه في المقام الأول إلى تفعيل المبادئ والقيم الإسلامية الأساسية أو الرئيسة، بواسطة الوسائل والأدوات والمناهج المختلفة، في المجال التربوي والإعلامي والثقافي، بما يخدم المصالح العليا للأمة، ويعزّز دورها الحضاري ومكانتها بين أمم المعمورة.

والله وليّ التوفيق .

 

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

من لم يحترم دقائق الوقت لا يحترم دقائق الشرع…

مداني حديبي/ من الظواهر المؤلمة المقيتة عدم الالتزام بالوقت والانضباط في الحضور…والأمثلة كثيرة.. الاجتماع المفروض …