الرئيسية | قضايا و آراء | رسالة إلى ” مجتهد “/ عبد العزيز كحيل

رسالة إلى ” مجتهد “/ عبد العزيز كحيل

 

أيها ” المجتهد المجدّد “، هالني أمرُك وأشفقت على حالك، أتابعُ ما تكتب، أنت مسلم لكنّك لا تعبدُ الله بل تعبد عقلك.

رغم أنه لا علاقة لك بالعلوم الشرعية فإن كلّ شيء ” قديم ” لا يعجبك، فتريد أن تجدّد الدين واللغة والشمس والقمر على حدّ تعبير مصطفى صادق الرافعي.

تنكر السنة النبوية بكلّ خفّة كأنك لا تدري أنها وحي كالقرآن، بل لعلّك تستخفّ بالوحي كلّه.

تسخر من البخاري كأنه نذل من الأنذال.

لا تقيم اعتبارا لعلماء الإسلام القدامى والمحدَثين، كلّهم في عينك جُهال جامدون متعصبون لا رسوخ لهم في المعرفة…بخلافك أنت؟

يكفيك شرّا أنك تعتبر الأمة كلها مخطئة في فهم دينها حتى جئت أنت في آخر الزمان ففهمتَ ما لم تستطعه الأوائل.

يا أخي لو رأيتَني أجتهد في الطبّ مثلا أو أخوض في شؤون الرياضة لغضبت مني ونصحتني بلزوم مسجدي ومصحفي والابتعاد عمّا ليس من اختصاصي، فلماذا لا تلتزم أنت بهذه النصيحة؟ لماذا لا تهتمّ بصنعتك وتترك علوم الدين للمتخصصين فيها؟

لن تتجرّأ على مناقشة علماء الفيزياء والقانون وحتى أصحاب الموسيقى وتستصغر نفسك أمامهم لكنك تستأسد على دين الله وتجعل منه عجينة تصنع منها ما تشاء ممّا يعجبك.

بدأتَ بإنكار السنة النبوية وتأويل القرآن وسينتهي بك الأمر إلى إنكار حجية كتاب الله تعالى كما حدث لأمثالك.

كم حطبَ في هذا الحبل أقوامٌ شذّوا عن الأمة وركبوا رؤوسهم فكان الضلال مصيرهم، وقد بدأ أمرهم بمناقشة القطعيات والتشكيك في اليقينيات والاجتهاد من غير أهله في غير محلّه…تماما مثلك أنت.

نحن جماهير الأمة نخطئ فنتوب، وأخشى أنك لا تستغفر ولا تتوب لأنك تزكّي نفسك حتى انتفخت وانتفشت حين ظننت نفسك أعلم من الجميع.

تعلمنا من قاماتنا الكبرى أن نكون ذيلا في الحق أفضل من أن نكون رأسا في الباطل.

لماذا لا تتواضع وتجلس إلى المختصّين في علوم الدين الراسخين فيها لتسأل أكثر مما تفتي ولتتعلمّ بدل أن تتعالم؟ هذا أفضل لك وللدين وللمجتمع، أم أنك أكبر من أن تكون تلميذا لعلماء الدين لأن توجهك “التنويري” جعلك تزدريهم وتسخر من بضاعتهم وتنزع عنهم صفة الاجتهاد لتتقمصها أنت؟

أفلا تعتبر؟

إنك ترفض الحوار وتفضل إملاء اختياراتك، ترفض التمحيص لأن اجتهاداتك نهائية، ترفض ” الآخر ” الإسلامي لأنه ظلامي، ماضوي، منغلق، والحقيقة أن جديدك ليس جديدا فهو حصريا مجردُ هوامش على المتن العلماني شرحا ودعاية وترويجا مقابل الموقف السلبي من العلوم الشرعية وأصحابها (ما تسميه أنت تراثا) وحصره في النقد خارج المرجعية وفي التهجم والتشويه، إلى درجة أن قارئ ما تكتب – إن كان من غير العارفين – يُخيّل إليه أن البخاري ومسلما من كبار المجرمين الذي شوّهوا الإسلام وحرّفوا مسار المسلمين.

ألست توافقني في أن دفع حركة الحياة من منظور إسلامي يقتضي حتما توفّر وتلازم رسوخ العلم عند من يعطي وحسن التلقي عند من يستقي؟ فإذا اختلّ فقه المواقع وتواجد كل واحد في غير مكانه واستمرأ ذلك امتدّ الخلل إلى المنظومة العلمية كلها وطفح على المجتمع كلّه وأصاب الدين في مقتل، لو أنك اشتغلت بالموقع الذي أقامك الله فيه وعملت على التجديد فيه والأداء المتقن والإبداع لنفعتَ أكثر ولما وجدت وقتا للخوض بغير أدوات مناسبة في خلافات علمية دينية متشعبة القاعدُ فيها خير من القائم، والقائمُ فيها خير من الساعي، لأن الأمر دين، فيه التوقيع عن الله تعالى والحديث باسمه، ألا يفزعك هذا؟ العارفون بمقام العلم الشرعي – دراسة وإفتاء ونقاشا وأخذا وردّا – يتهيّبون من ذلك ويحتاطون لأنفسهم لخشيتهم المهالك، فكيف بك تقتحم ميدانا تحدق به المخاطر وتتساهل في ردّ قطعيات الشريعة لأن عقلك لا يتقبّلها، أو تسارع إلى تخطئة جهابذة الدراسات القرآنية والحديثية بتلك الحجة المضحكة المبكية التي توارث ترديدَها الغافلون ” هم رجال ونحن رجال “؟

لم أحدثك عن الموضوعية والمنهج العلمي لأن تخصصك لا يؤهلك لهذا الطرح لكني ألفت انتباهك – وأنت الغيور على الأمة ومستقبلها – أن كسور العلماء( نصف عالم ، وربع عالم…) أخطر على العلم والمجتمع والدين من الأميين.

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

مرحبا بالمطهر

مداني حديبي/ مرحبا بالنبع الصافي والشلال المتدفق الذي يسقي أرواحا جفت وقلوبا عطشت ونفوسا ضمئت: …